من المقرر أن تحدد فترة عشرينيات القرن الحالى، ما إذا كانت لدينا فرصة لتجنب ضرر لا رجعة فيه بالنسبة للمناخ؛ لكن بالنسبة للمملكة المتحدة، يأتى هذا بجانب تحديات أخرى كبرى. فالبلاد ستحدد استجابة ما يحدث لرفاهية شعبها أيضاً، خصوصاً أن ثمة شكوكاً كبيرة حول قدرة القيادة هناك على تحقيق إنجاز كبير.
وأطلقت مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن» ومركز الأداء الاقتصادى، التابع لكلية لندن للاقتصاد، للتو، تقريراً مهماً فى العقد الحاسم للمملكة المتحدة. وأطلق عليه «العقد الحاسم»؛ لأن البلاد بحاجة للنضال من أجل التعافى من «كوفيد- 19» وعواقب خروجها من الاتحاد الأوروبى والثورة التكنولوجية المستمرة والتحول إلى صافى صفر انبعاثات كربونية.
علاوة على ذلك، فإنها تفعل ذلك من قاعدة من الإنتاجية الراكدة وعدم المساواة المرتفع والشيخوخة السريعة والديون المرتفعة.
الشخص الأحمق فقط هو الذى يعتقد أن هذا الأمر سينجح بالتأكيد، حسبما قال كبير الاقتصاديين مارتن وولف، فى مقال نشرته صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية.
ومع ذلك، يمكننا تذكر إيطاليا فى عام 1987، عندما احتفلت بتجاوز الدخل الاسمى للفرد مثيله فى المملكة المتحدة. لكن اليوم، وبعد مرور عقدين من ركود الدخل الحقيقى، أصبحت إيطاليا متأخرة كثيراً. كما أن الفجوة الإيطالية مع ألمانيا لا تزال أكبر.
وخلال العقد الماضى، شهدت الإنتاجية فى المملكة المتحدة ركوداً أيضاً.. لكن إذا لم يُعكس هذا الاتجاه، فلن تفقد المملكة المتحدة المتراجعة هيبتها فحسب، بل ستفقد، أيضاً، القدرة على توفير مستويات معيشية مرتفعة لشعبها.
يوضح تقرير «ريزوليوشن فاونديشن» ومركز الأداء الاقتصادي، بالتفصيل، التحديات والإرث.
ففى أعقاب «كوفيد- 19»، على سبيل المثال، ربما كانت هناك صدمة دائمة لتجارة التجزئة، التى تعتبر مصدراً مهماً بشكل خاص لوظائف النساء.
وفى ظل الخروج من الاتحاد الأوروبى، أصبح التأثير على التجارة مع دول الاتحاد الأوروبى واضحاً بالفعل، مع وجود فرصة ضئيلة فى إمكانية قيام التجارة مع بقية العالم بتعويض هذه الخسائر قريباً إن أمكن ذلك.
فيما يتعلق بالتكنولوجيا، يجب أن نفترض تحولات كبيرة ومستمرة فى هيكل التوظيف والضغوط التنافسية، مع اختفاء العديد من الشركات.
وعند الانتقال إلى صافى صفر انبعاثات كربونية، يجب أن تكون استثمارات الدولة ضخمة قبل أن تتضح أى مكاسب من انخفاض تكاليف التشغيل.
وهناك أيضاً ما يُعرف باسم الإرث الرهيب، إذ يعكس معدل نمو الإنتاجية المنخفض، من بين أمور أخرى، ضعف الاستثمار والتبنى البطىء للتكنولوجيا الجديدة.
ففى عام 2017، كان لدى المملكة المتحدة 71 روبوتاً فقط مقابل كل 10 آلاف موظف تصنيع، مقارنة بـ309 روبوتات فى ألمانيا، و631 روبوتاً فى كوريا، وفقاً للتقرير.
ونتيجة تباطؤ نمو الإنتاجية، انخفض النمو فى الدخل الحقيقى للأسر من 22% فى عقد 2000 إلى 9% فى عقد 2010، كما أن معدلات عدم المساواة ارتفعت مرة أخرى فى الثمانينات، ولم ينعكس اتجاهها أبداً منذ ذلك الحين.
ونتيجة ذلك، فإن مقياس عدم المساواة فى المملكة المتحدة أصبح أعلى منه فى جميع دول الاتحاد الأوروبى، باستثناء بلغاريا. كما أنه ثانى أعلى معدل فى مجموعة الدول السبع.
ولدى المملكة المتحدة، تفاوتات إقليمية كبيرة بشكل استثنائى فى الإنتاجية، ما يترك التوزيع الإقليمى الأقل تفاوتاً لدخل الأسرة يعتمد على التحويلات القادمة من لندن، التى تمت التضحية بخدماتها وصناعتها الأكثر تنافسية للخروج من الاتحاد الأوروبى.
ويشير التقرير، أيضاً، إلى أن المملكة المتحدة تمتلك بعض الأصول المهمة، خصوصاً لغتها وجامعاتها ذات الدرجة الأولى وقاعدة علمية قوية وسياسات غير فاسدة إلى حد كبير.
كما وضعت الحكومة بالفعل «خطة للنمو» تحتوى على بعض العناصر المرحب بها، بما فى ذلك زيادة الاستثمار العام إلى حد ما، وخطة للتعلم مدى الحياة، والتركيز على الابتكار والعلوم وبعض الأهداف المتعلقة بإزالة الكربون.
ومع ذلك، لا يوجد اعتراف بتكاليف الخروج من الاتحاد الأوروبى أو بالعقبات التى تحول دون انتشار الرخاء على نطاق أوسع.
كما أن هناك افتقاراً لليقين حول ما إذا كانت الأموال المطلوبة سيتم إنفاقها على المهارات المطلوبة.
ثمة ثغرات كبيرة أيضاً فى خطة التخلص من الكربون، وبدلاً من الأفكار المتعلقة بكيفية زيادة الاستثمار الخاص، تعتزم المستشارة، بعد فترة وجيزة من المخصصات السخية للاستثمار، زيادة ضريبة الشركات بشكل كبير. وسيؤدى هذا إلى تقليل الاستثمار المنخفض بالفعل. عندما ننظر إلى الوراء إلى «كوفيد- 19»، نرى خطأ فادحاً تلو الآخر، تم تعويضه جزئياً بواسطة إلهام برنامج التطعيم.
لكن هذا إلهام واحد، لن يضمن تنمية الاقتصاد فى مثل هذه الظروف الصعبة. فالأمر يتطلب صنع سياسات بعيدة النظر وحشد الموارد من خلال آلة سياسية وإدارية ذات كفاءة فى علاقة داعمة مع قطاع خاص ديناميكى، وليس مجرد شعارات.
لكن هل هذا الأمر ممكن فى المملكة المتحدة؟ ربما.. هل هو محتمل؟ لا.








