بقلم : عماد الدين حسين – الشروق
مساء الجمعة قضيت ساعتين كاملتين من الخامسة إلى السابعة فى ميدان التحرير أتحدث مع عشرات السلفيين عن كل شىء من «الإعلام المتربص بهم» إلى سذاجتهم السياسية، ومن علاقتهم بالإخوان، إلى تطبيق الشريعة.
الانطباع الأول أنهم ليسوا جسدا واحدا، هم مدارس وحركات وتنظيمات مختلفة، وهو الأمر الذى يدعونا أن نفكر كثيرا قبل أن ننمطهم.
الانطباع الثانى أن بينهم عقولا مستنيرة لكنها تضيع وسط زحام بعض الغوغاء منهم وسوء أداء بعض قياداتهم.
الانطباع الثالث أنهم مستاءون لآخر درجة من الإعلام الذى يصفونه بالليبرالى، وأحدهم سألنى بوضوح كيف تتحدثون عن الديمقراطية وأنتم لا تعترفون بنا ولا تشعرون أحيانا بوجودنا.. وكيف تتغنون بالتعددية وعندما نفوز فى الانتخابات تريدون أن ينقلب الجيش والشعب علينا؟!.
خلال وجودى فى الميدان سار الوضع عاديا، هتافات ومسيرات ولافتات، لكن ما عكر صفو اليوم هو قيام مجموعة من المتظاهرين بطمس أحد رسوم الجرافيتى التى تمجد شهداء الثورة على جدران شارع محمد محمود وكتبوا فوقها الآية القرآنية: «ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام»، وبالطبع يمكن تخمين من المقصود بهذه الآية؟!.
المهم جاء إلى الميدان مجموعة من المتظاهرين المعارضين للتيار الإسلامى وحاولوا تمزيق اللافتات ثم هتفوا كعادتهم ضد الإسلاميين ومحمد بديع، وبالطبع كان منطقيا أن يحدث الصدام.
أحد الإسلاميين سألنى: معظمكم انتقد الإخوان والإسلاميين حينما جاءوا إلى الميدان واصطدموا بالليبرالية قبل ثلاثة أسابيع أثناء مليونية «مصر مش عزبة، فلماذا لا تطبقوا نفس المعيار وتنتقدوا الليبراليين الذين جاءوا هذا اليوم وهم يعرفون أن الإسلاميين سيتظاهرون من أجل تطبيق الشريعة»؟!.
قلت له بوضوح إن أى متظاهر غير منتمٍ للتيار الإسلامى جاء للميدان فى هذا اليوم مخطئ ويريد أن يشعلها نارا وعلينا أن ننتقده وندينه أيضا.
تبادل الطرفان إلقاء الطوب، والكر والفر فى شارع محمد محمود، وانصرف غالبية الإسلاميين وفكوا منصاتهم، وبعثوا برسالة لكثيرين أنهم موجودون وبقوة.
لكن مشكلة غالبية أبناء التيار الإسلامى خصوصا السلفيين أنهم لم يتعودوا على ممارسة السياسة جيدا، ولذلك يقعون فى أخطاء متكررة وساذجة. ويخلطون بين الأغلبية العددية فى البرلمان، والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، ويتعاملون مع الأمر وكأنه مسألة حياة أو موت لابد من حسمها الآن وفورا.
فى المقابل وإذا كان من حق القوى المدنية والليبرالية أن تختلف تماما مع كل طروحات وأفكار التيارات الإسلامية، لكن ليس من حقها أن تلغيها من الوجود.
بعض زملائى وأصدقائى من المحسوبين على النخبة يتعامل مع التيار الإسلامى عموما والسلفيين خصوصا باعتبارهم «شيئا طارئا» سينتهى قريبا. والمفاجأة الصادمة لهؤلاء أن عليهم أن يفيقوا من الوهم الغارقين فيه ويتعاملون مع الواقع كما هو ويسعوا إلى تغييره عبر الآلية الديمقراطية.
هذا الواقع يقول إن السلفيين موجودون وحصلوا على ربع أصوات الناخبين فى انتخابات حرة نزيهة.
بعض الليبراليين يعتقد أنه لو ظن أن السلفى غير موجود، فلن يكون موجودا، وعندما تقرأ ما يكتبه بعض هؤلاء على الفيس بوك وتويتر أو يتحدثون به فى وسائل الإعلام، تعتقد أن هذه النخبة تتحدث عن شىء آخر غير مصر التى نعرفها.
مرة أخرى وليست أخيرة: على الليبراليين بذل كل جهد ممكن من أجل دستور مدنى ديمقراطى تقدمى، لكن عليهم أيضا أن يدركوا أنهم ليسوا بمفردهم فى الساحة، وإذا كانوا يريدون أن تكون كلمتهم مسموعة، فعليهم بالاحتكام إلى الشعب، وغير ذلك «حرثٌ فى البحر».








