لم يشعر الأمريكيون في 2025 بالصدمة الكاملة لرسوم دونالد ترامب الجمركية.. لكن هذا الهدوء قد يكون مؤقتاً.
فمع دخول 2026، تقترب كلفة هذه السياسات من جيوب المستهلكين، وتتحول من عبء تحمّلته الشركات بصمت إلى أسعار أعلى قد تغيّر المزاج الاقتصادي والسياسي في أمريكا.
سفن الحاويات الراسية في ميناء لوس أنجلوس تختصر القصة، فهناك -وعلى امتداد سلاسل الإمداد- تراكمت كلفة الرسوم طوال العام الماضي، من دون أن تنعكس فوراً على المتاجر، لكن ما كان مؤجلاً بات الآن على وشك الظهور.
هدوء 2025 وأرقام تكشف الحقيقة
في عام 2025 جمعت الولايات المتحدة 187 مليار دولار إضافية من الرسوم الجمركية مقارنة بعام 2024، بزيادة تقارب 200%، بحسب ما ذكرته شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية.
ورغم ضخامة الرقم، لم ترتفع كلفة المعيشة بشكل حاد. السبب بسيط وهو أن الشركات تحمّلت العبء الأكبر، إذ دفعت نحو 80% من فاتورة الرسوم، مفضلة حماية حصتها السوقية وعدم خسارة المستهلكين.
لكن هذا التوازن بدأ يختل، فبحسب تقديرات “جيه بي مورجان” قد تنخفض حصة ما تتحمله الشركات إلى 20% فقط لاحقاً هذا العام، مع انتقال الكلفة تدريجياً إلى الأسعار النهائية.
من المصانع إلى المتاجر.. تمرير لا مفر منه
يقول مدير شركة متخصصة في الاستشارات الجمركية، كايل بيكوك، إن كثيراً من الشركات قاومت طويلاً فكرة رفع الأسعار، لكنها باتت الآن مضطرة.
بعض الشركات اتخذت القرار مع بداية العام، فيما يترقب آخرون، الربع الأول أو الثاني قبل التحرك.
وتبدو القطاعات ذات الهوامش الربحية الضعيفة، وعلى رأسها المواد الغذائية، الأكثر عرضة للارتفاع أولاً؛ فمحلات البقالة لا تملك مساحة كبيرة لامتصاص الصدمات، ما يجعل المستهلك الحلقة الأضعف.
معضلة ترامب قبل الانتخابات
يضع هذا التحول، الرئيس الأمريكي أمام خيار صعب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وهو إما الاستمرار في سياسة الرسوم، أو التراجع لتخفيف الضغط عن الأسر التي تعاني أصلاً من غلاء المعيشة.
“ترامب” ليس غريباً عن التراجع، فقد سبق أن عدّل أو أجّل تهديداته الجمركية مرات عدة، إلى حد أن “وول ستريت” تداولت اختصار «ترامب دائماً يتراجع».
ومع مطلع العام، أرجأ بالفعل فرض رسوم كبيرة على الأثاث والخزائن والمعكرونة الإيطالية.
لماذا 2026 مختلفة؟
السبب الرئيسي وراء تأجيل الأثر كان لوجستياً؛ ففي بداية 2025، سارعت الشركات إلى تكوين مخزونات ضخمة تحسباً لزيادات الرسوم، خصوصاً مع وصول بعض الرسوم على الواردات الصينية إلى 145%، هذه المخزونات خففت الصدمة مؤقتاً، لكنها بدأت تنفد.
ومع اضطرار الشركات إلى شراء سلع جديدة برسوم أعلى، يصبح امتصاص الكلفة أكثر صعوبة، ورغم ذلك لا تستطيع الشركات رفع الأسعار بنسبة مساوية للرسوم، لأن التضخم يلتهم الأجور التي لم تعد تنمو بالوتيرة نفسها، ما يحد من قدرة المستهلكين على التحمل.
التضخم بالأرقام والإشارات التحذيرية
يقدّر اقتصاديون في “جولدمان ساكس” أن الرسوم الجمركية رفعت التضخم بنحو نصف نقطة مئوية في 2025، وهو ما يتماشى مع تقدير رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأن هذه الرسوم كانت وراء تجاوز التضخم هدف 2% ليصل إلى 2.7%.
ويتوقع البنك زيادة إضافية بنحو 0.3 نقطة مئوية خلال النصف الأول من هذا العام فقط.
تعني هذه الأرقام أن أثر الرسوم لم يختفِ، بل تأجل، وهو الآن يتسلل ببطء إلى الأسعار.
تجنّب أحد كبار موردي البقالة، ممن يقدم لهم بيكوك المشورة، رفع الأسعار العام الماضي بسبب صعوبة احتساب الرسوم، إذ تختلف حسب المنتج وبلد المنشأ وتتغير باستمرار.
وفي نهاية المطاف لجأ إلى حل وسط، وهو تطبيق متوسط الرسوم على جميع المنتجات، وهو خيار قد يمهّد لموجة زيادات أوسع.
وسط هذا المشهد يبرز عامل قد يغيّر الحسابات بالكامل، فهناك قضية مفصلية أمام المحكمة العليا قد تُبطل أوسع الرسوم التي فرضها ترامب، والتي جلبت نحو 130 مليار دولار حتى منتصف ديسمبر وفقاً لبيانات الجمارك الأمريكية.
إذا جاء الحكم ضد الإدارة، قد تحصل الشركات على استرداد للرسوم المدفوعة، أو على الأقل تُقيَّد قدرة الرئيس على فرض رسوم جديدة بلا ضوابط، لذلك تربط كثير من الشركات قرارات التسعير في 2026 بنتيجة هذا الحكم المنتظر خلال أسابيع.
بين التراجع والتصعيد
ورغم ذلك، لمّح ترامب وفريقه إلى أن الرد على أي حكم سلبي قد يكون بمزيد من الرسوم، لكن في المقابل -ومع تراجع شعبيته بسبب كلفة المعيشة- بدأ بالفعل في التخفيف من بعض الرسوم المقترحة أو المقررة، خصوصاً على السلع الأساسية.
في “يوم التحرير” الذي أعلنه في الثاني من أبريل 2025، استعرض ترامب رسوماً تاريخية، لكن الإدارة تراجعت عن تطبيقها بالكامل، مضيفة استثناءات على الهواتف الذكية وقطع السيارات والسلع المتوافقة مع اتفاقية أمريكا والمكسيك وكندا، ما حدّ من الأثر الفوري.
لم تختفِ الرسوم الجمركية من الاقتصاد الأمريكي، بل غيّرت مسارها، ما تحمّلته الشركات في 2025 قد يدفعه المستهلك في 2026، وبين حسابات التضخم وضغوط السياسة، تبدو فاتورة ترامب الجمركية مؤجلة لكنها لم تُلغَ.








