تشهد سوق العمل البريطانية ضغوطا متزايدة في ظل تدفق أعداد أكبر من الباحثين عن عمل، مقابل تراجع الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، ما يعكس تباطؤا عاما في التوظيف.
ويأتي ذلك في وقت تسجل فيه بعض القطاعات المتخصصة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية، نموًا محدودًا يعكس تحولات هيكلية في الطلب على المهارات.
وأظهرت بيانات صادرة عن مؤسسة “كيه بي إم جي” الأنجلو-هولندية للخدمات المالية والاستشارات، واتحاد التوظيف والعمالة البريطاني (REC)، نشرت اليوم، أن عدد الباحثين عن وظائف دائمة في بريطانيا ارتفع خلال ديسمبر بأسرع وتيرة في أربعة أشهر، بالتزامن مع استمرار تراجع الوظائف الشاغرة، سواء الدائمة أو المؤقتة، ما أدى إلى احتدام المنافسة بين المتقدمين للوظائف.
وعزا مسؤولون في قطاع التوظيف هذا التراجع إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، إلى جانب مخاوف الشركات من أن تؤدي تشريعات العمل الجديدة التي تتبناها حكومة حزب العمال إلى جعل التوظيف أكثر كلفة ومخاطرة. وفي السياق ذاته، حذر مسح منفصل أجرته شركة “بي دي أو” من أن ثقة الأعمال في بريطانيا هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ يناير 2021.
وتزامن ذلك مع بيانات رسمية أظهرت ارتفاع معدل البطالة إلى 5.1% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أكتوبر 2025، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في ظل انتقادات لسياسات الحكومة الضريبية وزيادة الأعباء التنظيمية على الشركات.
وفي المقابل، كشفت بيانات حديثة صادرة عن شركة التوظيف البريطانية مورجان ماكينلي أن الوظائف الشاغرة في القطاع المالي ارتفعت بنسبة 12% خلال عام 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على مهارات الذكاء الاصطناعي، والتنظيم، وتحليل البيانات، رغم تباطؤ التوظيف في الربع الأخير من العام نتيجة تقلبات الأسواق وعدم وضوح الرؤية بشأن موازنة الحكومة.
وأوضحت البيانات أن وظائف البرمجيات وخدمات الحوسبة باتت تمثل أكثر من 16% من إجمالي الوظائف الشاغرة في القطاع المالي، متجاوزة الوظائف التقليدية في مجالي إدارة الاستثمارات والخدمات المصرفية.. في المقابل تراجعت الوظائف الإدارية والسكرتارية بنسبة 16%، وانخفضت وظائف الوساطة بنسبة 20%، مع توسع استخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن هذا التباين يعكس تحولا هيكليا في سوق العمل البريطانية، حيث تتراجع فرص التوظيف في القطاعات التقليدية تحت ضغط التكاليف وضعف الطلب، مقابل نمو انتقائي في القطاعات المعتمدة على التكنولوجيا والمهارات المتقدمة، ورغم تسجيل ارتفاع محدود في رواتب الوظائف الدائمة إلى أعلى مستوى في سبعة أشهر، فإن ذلك لم يكن كافيا لتعويض التراجع الواسع في فرص العمل.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار ضعف ثقة الأعمال وارتفاع تكاليف العمالة قد يحدان من وتيرة التوظيف خلال الفترة المقبلة، ما لم تتحسن الظروف الاقتصادية العامة أو تتضح السياسات الحكومية المتعلقة بسوق العمل والاستثمار.








