رغم إشارات التباطؤ الواضحة في معدلات التضخم، لا يبدو أن قطاع التأمين يلتقط أنفاسه بالوتيرة نفسها، إذ لا تزال الأقساط التأمينية محلّقة خارج مسار التراجع السعري الذي تشهده قطاعات أخرى.
وبينما تُراهن الأسواق على انحسار الضغوط التضخمية وانعكاسها تدريجيًا على تكلفة الخدمات، يظل المستهلك النهائي للتأمين أمام معادلة مغايرة، تتشابك فيها اعتبارات المخاطر المتصاعدة وارتفاع تكاليف التعويضات وإعادة التأمين، لتؤكد أن تباطؤ التضخم لم يصل بعد إلى وثائق التأمين.
وكشفت تقارير صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، أن قطاع التأمين شهد فجوات بين الأقساط والتعويضات، إذ بلغ إجمالي الأقساط المحصلة لكافة فروع التأمين نحو 107.4 مليار جنيه خلال الأشهر الـ 11 الأولى من 2025، مقابل 84.96 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2024، بمعدل نمو 26.4%.
وسجل إجمالي التعويضات المسددة عن جميع أنواع التأمين نحو 57.2 مليار جنيه خلال الـ 11 شهرًا الأولى من عام 2025، مقابل 39.8 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2024، بمعدل نمو سنوي 43.9%.
وأوضحت مصادر تأمينية ، أن تسعير وثائق التأمين لم يتأثر مباشرة بتراجع معدلات التضخم، خاصة أنه يتحدد حسب حجم الخطر المحتمل، على عكس السلع الاخرى، مؤكدين أن بعض الشركات تنتظر استدامة تراجع معدلات التضخم قبل تخفيض قيم الأقساط، للاحتفاظ بربحيتها، رغم توسيع الفجوة بين الأقساط والتعويضات فعليا على مدار السنوات الماضية.
عبد الصادق: أتوقع نمو إجمالي الأقساط المحصلة 20-25% العام الحالي
وقال خالد عبد الصادق، العضو المنتدب لشركة المهندس للتأمين ونائب رئيس الاتحاد المصري للتأمين، إن تراجع معدل التضخم لا ينعكس مباشرة على تسعير وثائق التأمين، موضحًا أن التسعير يتحدد وفق حجم الخطر المحتمل لتأمين تغطية الخسائر المتوقعة، عكس التضخم المرتبط بأسعار سلع ملموسة، ما يجعله غير مؤثر على السعر، لكنه مؤثر على تقييم المؤمن عليه.
واستقر معدل التضخم العام في المدن عند 12.3% خلال ديسمبر الماضي، وهو معدل مماثل لنظيره في نوفمبر 2025، بحسب بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
أضاف أن إعادة تقييم الأصول، في ظل تغيرات سعر الصرف وانخفاض قيمة الدولار، قد تؤدي إلى خفض مبلغ التأمين، وهو ما ينعكس على قيمة القسط.
وأشار عبد الصادق، إلى أن تراجع التضخم لم يُحدِث حتى الآن أثرًا إيجابيًا ملموسًا على تأمين السيارات، موضحًا أن أسعار قطع الغيار لا تزال مرتفعة، ولم تستجب لانخفاض التضخم. وكذلك تراجع قيمة الدولار، وهو ما أبقى التعويضات عند مستويات مرتفعة.
وتابع أن المعادلة حاليا تشهد حالة من عدم التوازن في سوق السيارات، إذ انخفضت قيمتها السوقية ولم تنخفض قطع الغيار، معتبرًا أن تلك الفجوة تحتاج إلى إعادة نظر، لما تعكسه على نتائج التأمين الفني.
وبشأن تأمينات الحياة، أوضح عبد الصادق، أن ارتفاع نسب التعويضات مقارنة بتأمينات الممتلكات لا يرتبط بالتضخم أو سعر الصرف، وإنما بعوامل ديموغرافية وقدرية، مثل التركيبة العمرية ومعدلات الوفيات، إضافة إلى أحداث استثنائية قد ترفع التعويضات في سنوات بعينها.
وأضاف أن تلك التغيرات قد تدفع الشركات نحو إعادة تسعير منتجات الحياة في السنوات التالية، وفقًا لجداول اكتوارية تأخذ في الاعتبار تلك العوامل، وليست المتغيرات الاقتصادية المباشرة.
أضاف أن تأثر شركات التأمين باختلاف معدل التضخم يظهر في نتائج أعمالها خاصة عند تقييم حقوق الملكية والاحتياطيات والمخصصات، لا سيما عند القياس بالعملة الأجنبية.
وتوقع العضو المنتدب لشركة المهندس للتأمين ونائب رئيس الاتحاد المصري للتأمين، استمرار نمو أقساط التأمين خلال العام الحالي، بمعدل 20 -25%، مدفوعًا بحزمة من الإصلاحات التنظيمية، وتوسع الشركات في الحملات التسويقية، وطرح منتجات جديدة، إلى جانب الدور المتزايد للهيئة العامة للرقابة المالية في تنشيط السوق، مرجحا أن تُسجل قيمتها 135 -140 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025.
فطوري: تثبيت قيم الأقساط رغم ارتفاع التعويضات يقلص أرباح الشركات
ويرى عادل فطوري، العضو المنتدب السابق لشركة وثاق للتأمين، أن الارتفاع الكبير في أقساط التأمين خلال السنوات القليلة الماضية لا يمكن فصله عن التضخم وتراجع قيمة الجنيه، مشددًا على أن قراءة الأرقام بالجنيه فقط تعطي انطباعًا غير حقيقي عن أداء السوق، معتبرًا أن تضاعف الأقساط بالجنيه عدة مرات يعكس تآكلًا في القيمة الحقيقية للنشاط وليس نموًا فعليًا.
وأشار فطوري، إلى أن التضخم دفع شركات التأمين نحو رفع أقساط التأمين لمواكبة زيادة أسعار الأصول والخدمات، خاصة في تأمين السيارات والتأمين الطبي، وهو ما أدى تلقائيًا إلى ارتفاع التعويضات، حتى في الحالات التي لم يرتفع فيها عدد المطالبات.
أضاف أن المشكلة ليست في ارتفاع التعويضات وحده، بل في أن الأقساط لم ترتفع بنفس الوتيرة العادلة، نتيجة المنافسة السعرية بين الشركات، ما حمّل السوق مخاطر أكبر مقابل عائد أقل، وضغط على الربحية الفنية.
وذكر أن تأثير التضخم لم يقتصر على الشركات فقط، بل امتد إلى العملاء، إذ أعاد الأفراد ترتيب أولوياتهم في ظل الضغوط المعيشية، ما أدى إلى تراجع الطلب على التأمين الاختياري، وبقاء النشاط محصورًا في الوثائق المرتبطة بالتمويل أو الإلزام القانوني، ومن ثم، لم يعد التأمين أداة حماية بقدر ما يُنظر إليه كتكلفة يمكن الاستغناء عنها مؤقتًا، وهو ما يفسر محدودية انتشار المنتجات الفردية رغم اتساع السوق اسميًا.
وفي ظل تراجع معدلات التضخم حاليًا وسط توقعات بمزيد من التباطؤ، قال فطوري أن الأثر الإيجابي لا يظهر بشكل فوري، نظرًا لطبيعة التأمين القائمة على فجوة زمنية بين تحصيل الأقساط وسداد التعويضات، مشيرًا إلى أن السوق ما تزال تتعامل مع تعويضات مسعّرة على تضخم سابق.
وتابع أن أي تحسن مستدام في معدلات التضخم ينعكس تدريجيًا على استقرار التسعير وتحسن هوامش الربحية وقدرة الشركات على إعادة بناء محافظها التأمينية على أسس أكثر توازنًا، مبينًا أن الركود التضخمي أكثر خطورة على صناعة التأمين.
قال فطوري، إن القطاع يحتاج إلى تقديم منتجات أبسط، وتسعيرًا أكثر مرونة، وتوسعًا حقيقيًا في التأمين متناهي الصغر، خاصة “الطبي”، باعتباره الأكثر التصاقًا باحتياجات الفئات محدودة الدخل.
وأشار إلى أن التحول الرقمي يعد فرصة لتقليل التكلفة والوصول إلى عملاء جدد، لكنه لن ينجح دون بناء الثقة، عبر المصداقية وسرعة التعويض، كعنصرين حاسمين في أي مرحلة نمو قادمة.
شحاتة: الشركات تتأنى قبل التخفيض للتحقق من استدامة تباطؤ التضخم
وأكد جمال شحاتة، نائب العضو المنتدب بشركة إسكان للتأمين سابقًا، أن موجات التضخم المرتفع التي شهدها الاقتصاد خلال السنوات الماضية، فرضت ارتفاعًا حادًا في تكلفة الأخطار، سواء المرتبطة بأسعار قطع الغيار أو الخدمات الطبية أو تكاليف إعادة التأمين، مشيرًا إلى أن الوضع دفع غالبية الشركات إلى إعادة تسعير وثائقها بصورة متحفظة، حفاظًا على الاستدامة المالية، بل تحولت المحافظ التأمينية إلى محافظ خاسرة على المدى المتوسط.
وأوضح أن تمرير أثر التضخم إلى أقساط التأمين لم يكن كاملًا في جميع الفروع، مؤكدًا أن حدة المنافسة داخل السوق وحدود القدرة الشرائية للعملاء فرضت سقفًا طبيعيًا للزيادات، مضيفًا أن بعض الشركات فضّلت تحمّل جزء من التكلفة بدلًا من المخاطرة بفقدان عملاء استراتيجيين، لا سيما في التأمينات الجماعية والتجارية.
ويرى شحاتة أن تراجع معدلات التضخم حاليا يعطي إشارة إيجابية للسوق لا سيما قطاع التأمين، ولكن تأثيرها على إجمالي قيم الأقساط لم يحدث فوريًا، مؤكدًا أن شركات التأمين تحتاج لفترة زمنية لمراقبة استقرار الأسعار وضمان استدامة ذلك التراجع، قبل إجراء أي مراجعات جوهرية على نماذج التسعير المعتمدة.
أضاف أن خفض الأقساط قد لا يكون دقيقًا في المرحلة الحالية، مرجحًا تثبيت الأسعار أو تباطؤ وتيرة التخفيض.
وأوضح شحاتة، أن بعض الفروع قد تشهد تحسنًا في شروط التغطية أو زيادة في الحدود التأمينية، كبديل عن تخفيض السعر الاسمي للوثائق، مؤكدا أن التضخم انعكس على متوسط قيمة المطالبات، خاصة في تأمين السيارات و”الطبي”، إذ ارتفعت تكلفة التعويضات بنسب تجاوزت في بعض الأحيان معدلات نمو الأقساط نفسها.
وأشار إلى أن السوق لا تزال تتعامل مع تعويضات محسوبة على أسعار مرتفعة، رغم بدء تباطؤ التضخم خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن تحسن معدلات التضخم ينعكس إيجابيًا على التعويضات تدريجيًا، إذ إن عقود الصيانة والخدمات الطبية وأسعار قطع الغيار تحتاج وقتًا حتى تعكس انخفاض الأسعار.
وتابع:” التحدي الحقيقي أمام الشركات يتمثل في تحقيق ربحية فنية مستدامة، مستقلة عن تقلبات عوائد الاستثمار”، مشيرًا إلى أن التضخم دفع شريحة من الأفراد إلى تقليص التغطيات والاكتفاء بالوثائق الإلزامية.
ويرى شحاتة أن تراجع التضخم قد يسهم في استعادة الثقة تدريجيًا، خاصة إذا تزامن مع تحسن مستويات الدخل واستقرار الأسعار.








