“في عام 2022، فشل تأثير التنويع الذي توفره السندات، ما تسبب في أسوأ عام لهذا النموذج منذ الأزمة المالية العالمية”
من اليابان إلى الولايات المتحدة، لم تعد أسواق السندات مجرد حوادث عابرة، بل باتت نمطاً مقلقاً يتكرر في أكبر الأسواق الحكومية في العالم، كاشفاً عن هشاشة متزايدة واحتمال انزلاق مفاجئ نحو الفوضى في أي لحظة.
بدأ التداول الثلاثاء ، كيوم تداول هادئ في طوكيو لكنه سرعان ما تحول إلى فوضى عارمة.
قفزت عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل بأكثر من 25 نقطة أساس، في مشهد يذكرنا بحادثة مشابهة في مايو.
تلت ذلك موجة بيع في السوق الأمريكية، حيث استقر عائد السندات لأجل 30 عاماً قرب الذروة التي بلغتها في أواخر عام 2023.
ثم انتعشت السندات اليابانية طويلة الأجل يوم الأربعاء بعد أن دعت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما إلى الهدوء.
مع ذلك، يجدر بنا التساؤل عن سبب تكرار الانهيارات المفاجئة في سوق السندات العالمية.
هناك ثلاثة عوامل على الأقل مؤثرة، بدءاً بما يُسمى تأثير الفراشة.
في اليابان، نشهد تغييراً فوضوياً في اللاعبين، إذ يتجه المستثمرون القدامى إلى الخروج بينما يدخل مشترون جدد بشروط كثيرة.
في قطاع السندات الأطول أجلاً، برز المستثمرون الأجانب بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، مدفوعين بارتفاع أسعار الفائدة التي تقدمها اليابان حالياً.
في المقابل، بدأت شركات التأمين المحلية ببيع حيازاتها، نظراً لانخفاض حاجتها للاحتفاظ بسندات لأجل 40 عاماً لتوفير دخل لتغطية حملة وثائق التأمين. إذ إن أسعار سندات 20 عاماً الأكثر سيولة تجاوزت 2% بحلول منتصف عام 2025.
توازنات تُحدث اختلالات
عندما بدأت عمليات التخارج المكثفة في اليابان الثلاثاء، سارع مديرو الأصول الأجانب إلى إعادة توازن محافظهم الاستثمارية.
لجأ بعضهم إلى تقليل المخاطر وتغطية خسائرهم، غير مدركين لمدى سوء الوضع. بينما لجأ آخرون، خوفاً من تفويت الفرصة، إلى بيع سندات الخزانة لتمويل مشترياتهم من السندات اليابانية.
في كلتا الحالتين، ارتفعت التقلبات بحدة حتى وصلت إلى نيويورك.
يُرجح أن صناديق التحوط الكبرى المتخصصة في تداولات تكافؤ المخاطر -وهي استراتيجية استثمارية تخصص رأس المال بحيث تساهم كل فئة من الأصول بالتساوي في إجمالي مخاطر المحفظة- قد اضطرت إلى خفض حيازاتها من السندات، فتفاقمت الأزمة.
لكن السبب الجذري لانهيار سندات الخزانة الأمريكية أعمق بكثير من مجرد ارتفاع عوائد السندات اليابانية وتداعياتها.
لقد أطلق الرئيس دونالد ترامب العنان للأمر الواقع، ولا يمكنه التراجع عنه.
في أبريل الماضي، تراجع ترامب وأوقف رفع الرسوم الجمركية على جميع الدول باستثناء الصين، بعدما شهد انهيار السندات السيادية الأمريكية.
كنتيجة لذلك، أصبحت سندات الخزانة أكثر من مجرد أداة مالية، فهي الآن ورقة ضغط على رقعة الشطرنج الجيوسياسية عالية المخاطر. وستسعى التكتلات الاقتصادية الغنية إلى استغلال هذا الوضع لصالحها.
هناك الآن حديث عن استخدام الدول الأوروبية حيازاتها البالغة 3.6 تريليون دولار كسلاح لإجبار البيت الأبيض على التراجع عن ضم غرينلاند “بالقوة”.
سواء فعلت ذلك أم لا، فالأمر لا يهم. إن مجرد وجود بائع محتمل كبير كافٍ للضغط على الدين الأميركي نحو الانخفاض.
تساؤل حول جدوى الاستثمار في الديون الحكومية
بغض النظر عن آليات تفاعل التداول وأدوات التفاوض، ثمة عامل أشد ضرراً قد يؤدي إلى انهيارات مستقبلية، يتمثل في السؤال التالي: هل الاحتفاظ بسندات حكومات الدول المتقدمة منطقي أصلاً؟
لطالما شككت وول ستريت في نموذج 60/40، وهو نموذج كلاسيكي لبناء محفظة استثمارية، يتألف من 60% أسهم و40% سندات تشكل وقايةً عند تراجع الأسهم.
لكن في عام 2022، فشل تأثير التنويع الذي توفره السندات، ما تسبب في أسوأ عام لهذا النموذج منذ الأزمة المالية العالمية.
على سبيل المثال، اقترح بنك “مورجان ستانلي“ استراتيجية بديلة هي 60/20/20، تستبدل جزءاً من الدخل الثابت بالذهب، بحجة أن المعدن النفيس يُعدّ تحوطاً أفضل ضد التضخم. وقد سجل الذهب ذروة جديدة هذا الأسبوع.
في غضون ذلك، ومن منظور العائد الإجمالي، لم تُحقق السندات السيادية للدول المتقدمة عوائد مُجزية للمستثمرين على المدى الطويل. بل تكبدت خسائر، وكان أداء السندات اليابانية الأسوأ على الإطلاق.
تبدو أسواق السندات العالمية هشةً جداً، ويتساءل المرء كيف يمكنها أن تضيف قيمة إلى محافظ الثروات. ولم نشهد بعد أسوأ الانهيارات؟
بقلم: شولي رين، كاتبة مقالات رأي لدى “بلومبرج”
المصدر: وكالة أنباء “بلومبرج”








