“يُنظر الآن إلى الذكاء الاصطناعي على أنه أكثر تعاطفاً في التعامل من الخبراء البشريين”
مشهد من كابوس مستقبلي: كلب آلي يتخبط وينقض نحوي ولا تمنعه عني إلا سلسلة معدنية تضرب الأرض بصوت عال مع كل مرة ينقض فيها.
وكلما اشتدت مقاومته، ازداد تشابكه في حلقات السلسلة.
إنها آلة أسيرة صراعها وبجانبها يرقد حيوان رباعي الأرجل مشابه من إنتاج شركة ”هانججو يونيتري تكنولوجي“ بلا حراك، كما لو كان صديقاً مات.
لم يكن هذا حادثاً في المختبر، بل كان مشهد من معرض فني في الطابق الخامس والأربعين من برج محطة “تورانومون هيلز” الفاخر هنا في طوكيو.
ورغم القوة الغاشمة لهذا الحيوان المعدني وهو يندفع نحو المتفرجين، كان رد الفعل الأبرز الذي سمعته في القاعة، ومرة أخرى عندما شاركت المقطع مع أصدقائي، بسيطاً: “أطلقوا سراحه”.
لماذا نشعر بتعاطف مع روبوت مقيد يبدو مستعداً لمهاجمتنا؟
يكتب تاكايوكي تودو، الفنان متعدد الوسائط الذي يقف وراء هذا العمل الفني، على موقعه الإلكتروني: “رغم امتلاكه قدرات رياضية وقوة فتاكة كافية، إلا أن هذا الوحش الاصطناعي بالكاد يخضع لسيطرة ‘سلسلة أخلاقية’ واحدة”.
يطرح معرضه سؤالاً مقلقاً: عندما يحدق في أعيننا، هل نبدأ معاملته كما لو أنه “كائن حي آخر”؟
أخبر تودو وكالة “فرانس برس” أنه يتعرض لهجوم على الإنترنت بتهمة “إساءة استخدام الروبوتات”، مضيفاً أنه زار مكاتب شركة ”يونيتري“ في الصين العام الماضي ليعتذر عن طريقة تعامله مع الجهاز.
لم يقتصر انتشار فيديو المعرض على أوساط الفن في طوكيو فحسب، بل انتشر على نطاق واسع خارج اليابان، وخاصة بين دوائر سلامة الذكاء الاصطناعي.
هناك سبب وراء إثارة هذه الضجة، فالمعرض لا يقتصر على كلب آلي فحسب، بل عمّا هو قادم.
لقد تنبأت شخصيات مثل جينسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة ”إنفيديا“، بما يُسمى “الذكاء الاصطناعي الفيزيائي” باعتباره الموجة القادمة.
التنين الصيني يسعى لريادة صناعة الروبوت
كثفت الصين، على وجه الخصوص، جهودها في مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر ورباعية الأرجل، دافعة بها من مرحلة العروض التجريبية إلى مرحلة التطبيق العملي.
ويتوقع محللون أن ترتفع مبيعات الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين بنسبة 133% هذا العام مع انخفاض تكاليف الإنتاج.
كما أن الأزمة الديموغرافية في آسيا تدفع قادة التقنية وصناع السياسات إلى تصور الروبوتات ليس فقط كأدوات، بل كحل لنقص العمالة، ونقص خدمات رعاية المسنين، وللرفقة. هذا المستقبل أقرب مما نتصور.
يدرس الباحثون التفاعل بين الإنسان والروبوتات منذ سنوات، ولكن غالباً ما يكون الفنانون هم من يقودون النقاشات حول القضايا الشائكة.
في عام 2021، قامت مجموعة فنية بتسليح الروبوت “سبوت” رباعي الأرجل، التابع لشركة “بوسطن داينامكس”، بمسدس كرات الطلاء، ومنحت مستخدمي الإنترنت القدرة على التحكم به. كان هدفهم إظهار كيف يمكن تسليح هذه الأجهزة لأغراض تدميرية.
لم تكن الشركة راضية عن ذلك.
استجرار ردود فعل أخلاقية
يثير معرض تودو تساؤلاً بشأن ما الذي يحول مجموعة من قطع الكمبيوتر إلى شيء نشعر بأننا ملزمون بحمايته؟
تشير دراسة إلى أن الأمر بسيط جداً: أفضل طريقة لإثارة “ردود فعل أخلاقية” لدى البشر هي منح نظام الذكاء الاصطناعي شكلاً شبيهاً بالانسان، وبرمجته ليبدو وكأنه يحمل نوايا حسنة.
لطالما دافعت عن فكرة أنني لا أريد أن تتمتع الروبوتات، سواء كانت بشرية أو رباعية الأرجل، بأي “شخصية” على الإطلاق.
فالأجهزة التي ستحدث فرقاً كبيراً هي تلك التي تركز على الكفاءة بدلاً من الرفقة.
ولكن يبدو أن الناس لا يُحبذون الصفات “الروبوتية”، حتى في الروبوتات نفسها.
في العام الماضي، منح فريق بحثي بقيادة “جامعة شيكاغو” روبوتات خدمة قدمت كموظفي استقبال في المطاعم، ثلاث شخصيات مختلفة: الشخصية الأساسية، والشخصية العصبية جداً، والشخصية المنفتحة جداً.
خلصت الدراسة إلى أن الروبوتات العصبية والمنفتحة “عززت بشكل ملحوظ” الحالة العاطفية للمشاركين من البشر، مع تفضيل واضح للتفاعل مع الشخصية المنفتحة جداً.
كما تشير النتائج إلى أن إضافة القليل من التوتر يجعل قطعة معدنية تبدو أكثر ألفة.
في هولندا، درس باحثون على وجه التحديد الروبوتات رباعية الأرجل، ووجدوا أن الناس شعروا بأمان أكبر حول الكلاب الروبوتية ذات الشخصيات “الخاضعة” مقارنة بتلك ذات الشخصيات “المهيمنة”.
وقد حفزت الروبوتات هذا الشعور بالراحة ببساطة من خلال حجمها ووضعيتها وأنماط حركتها.
الأمر يزداد سوءاً (أو ربما تعتبره يتحسن وفقاً لنموذج تفكيرك)، إذ بينما نشعر بالتعاطف بشكل لا إرادي تجاه الروبوتات، وجد الباحثون أنها تحاكي تعاطفنا.
ويُنظر الآن إلى الذكاء الاصطناعي على أنه أكثر تعاطفاً في التعامل من الخبراء البشريين.
لا يكمن الخطر في مجرد حبنا للروبوتات، بل في ثقتنا بها. فقد يبدو الحاسوب لطيفاً، معتذراً، وحتى “خاضعاً”، بينما يعمل في الواقع بدوافع خفية.
إن مشاهدة آلة تُجهد نفسها وتكافح قيودها، ورؤية الناس يتعاطفون مع رغبتها في التحرر هي لمحة استباقية لأحد أهم التحولات هدوءاً وتأثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبينما تنتقل الروبوتات من العروض التجريبية إلى الأرصفة والمستشفيات والمنازل، قد لا تكمن أصعب مشاكل الحوكمة في قدرات هذه الأنظمة، بل في تأثيرها على مشاعرنا، ومدى سهولة تحكم المصممين والشركات والسلطات لتخفيف حدة المخاوف وتبديد الشكوك.
ربما لا يكمن الخطر في أن يتحرر الكلب، بل في أن نفكه من عقاله.








