يصرّ المسؤولون الذين اختارهم الرئيس دونالد ترامب لحماية أموال أمريكا، على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض لن يهدر هذه الأموال.
لكن المناخ أحرق تريليونات الدولارات فعلاً، ويهدد بإحراق أضعافٍ مضاعفة.
وقد تصبح كثير من هذه الخسائر دائمة.
يرى كيفن وارش، محافظ الاحتياطي الفيدرالي السابق، الذي اختاره ترامب لإدارة البنك المركزي بعد جيروم باول، أن على الاحتياطي الفيدرالي تجاهل تغير المناخ، مستهزئاً بالاهتمام به ووصفه بأنه ”نزعة عابرة” و“رائجة” وبضاعة “مهربة“، وهو، في رأيي كمستخدم محترف للغة الإنجليزية، استخدامٌ غير دقيق لهذه الكلمة، لأن الاهتمام بالمناخ ليس كذلك. على الأقل في الوقت الراهن.
أما وزير الخزانة سكوت بيسنت، فوصف مؤخراً تغير المناخ بأنه قضية “لا صلة واضحة لها بسلامة واستقرار” البنوك.
في جلسة استماع بالكونجرس الأسبوع الماضي، لمح إلى أن عمل مجلس الإشراف على الاستقرار المالي بشأن المناخ “قد فقد مصداقيته”.
الشيء الوحيد الذي فقد مصداقيته في هذه المرحلة هو هذا النوع من الخطاب. فسياسة المناخ هي سياسة مالية، وهو أمر أقرت به معظم البنوك المركزية الكبرى الأخرى في العالم.
فالبنك المركزي الأوروبي وبنك الشعب الصيني وبنك إنجلترا وبنك اليابان وغيرها كثير، لديها قواعد صارمة للبنوك بشأن إدارة مخاطر المناخ.
تمنح منظمة “جرين سنترال بانكينج” غير الربحية، البنوك المركزية الكبرى درجات حرفية بناء على تعاملها مع هذه القضايا.
البنوك المذكورة أعلاه تحصل على تقديرات “جيد” و”مقبول”. أما الاحتياطي الفيدرالي في عهد باول فقد حصل على تقدير “ضعيف” وقد استحقه.
وإذا ما زاد “وارش” الأمر سوءاً، فسينضم إلى الأرجنتين وروسيا كبنوك تفشل وحدها في التعامل مع المناخ.
تفاصيل المسألة
تتمحور أطروحة مجلس الإشراف على الاستقرار المالي، التي يصفها بيسنت بأنها “فاقدة للمصداقية”، حول ما يلي:
يمثل تغير المناخ تهديداً متزايداً للاستقرار المالي للولايات المتحدة.
إن الآثار المناخية، كارتفاع درجات الحرارة ومستوى سطح البحر والجفاف وحرائق الغابات واشتداد العواصف وغيرها من الظواهر المناخية، تكبد المواطنين والاقتصاد تكاليف باهظة في الولايات المتحدة وحول العالم.
أثبتوا لي زيف هذا الادعاء. فقد أنفق العالم 20 تريليون دولار خلال 25 عاماً مضت على عمليات التنظيف بعد الكوارث الطبيعية وارتفاع أقساط التأمين، وفقاً لبلومبرج إنتليجنس، مع تزايد التكاليف السنوية باطراد.
وتكبدت الولايات المتحدة وحدها خسائر بلغت 7 تريليونات دولار جراء الظواهر الجوية المتطرفة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، أي ضعف تكلفة الكساد الكبير.
ارتفعت أقساط التأمين على المنازل بنسبة 69% منذ ديسمبر 2019، وفقاً لشركة ”إنتركونتيننتال إكستشينج“، متجاوزة بكثير تكاليف الرهن العقاري وهي 23% والفائدة وهي 27% والضرائب وهي 27% أيضاً خلال تلك الفترة.
ويطلق على هذه الظاهرة اسم التضخم، وهو أحد أركان التفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي لتحقيق استقرار الأسعار وزيادة فرص العمل.
رغم هذا الضغط على الميزانية، ما تزال هناك ثغرات كبيرة في التغطية التأمينية لن يكتشفها كثير من مالكي المنازل إلا بعد وقوع كارثة.
وقد حذر المستثمر ديف بيرت، الذي كان من أوائل من تنبّهوا لأزمة الإسكان عام 2008، من أن نقص التأمين قد يعني أن قيمة سوق الإسكان في أمريكا مبالغ فيها بما يصل إلى 2.7 تريليون دولار.
ينبغي على “وارش”، الذي ساهم في إدارة الأزمة المالية التي أعقبت انهيار سوق الإسكان، أن يدرك أن هذا يمثل مشكلة محتملة للقطاع المالي.
إذا أردنا منح “وارش” و”بيسنت” فرصة للتوضيح، يمكننا الاعتراف بأن علم قياس تأثير ارتفاع درجة حرارة الأرض على الأسعار والتوظيف (من خلال النمو الاقتصادي) ما يزال في مراحله الأولى.
التوقعات الأولية تهمل جوانب من المشكلة
توقعت الجهود المبكرة تأثيرات طفيفة، متجاهلةً على ما يبدو كيف تعيق الكوارث سلاسل التوريد، وكيف تؤثر درجات الحرارة المرتفعة سلباً على إنتاجية العمل، وكيف تؤدي موجات الجفاف إلى عدم الاستقرار السياسي، وغير ذلك.
وقد باتت هذه المشكلات واضحة مع ازدياد الكوارث المرتبطة بالاحتباس الحراري، التي شهدناها بأنفسنا.
أما التقديرات الأحدث فقد اتخذت منظوراً أوسع وتوقعت أضراراً أكبر.
ومنها ورقة بحثية صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، أعدها اقتصاديون من جامعتي نورث وسترن وستانفورد، تشير إلى أن كل درجة مئوية واحدة من ارتفاع درجة الحرارة تقلل الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 20%.
هناك أيضا ورقة بحثية (سُحبت لكن سيعاد نشرها قريباً) صادرة عن معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، تقدر انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 60% بحلول عام 2100 إذا لم يُكبح الاحتباس الحراري.
ما يزال هناك مجال واسع لتطوير دراسات الأثر الاقتصادي.
أصدر باحثون من جامعة إكستر ومنظمة “كلايمت تراكر” غير الربحية تقريرا الأسبوع الماضي، استطلعوا فيه آراء عشرات من علماء المناخ حول سبل تطوير هذا المجال.
ويرغبون في أن تعكس الدراسات الواقع بشكل أفضل، حيث تُعدّ الظواهر المتطرفة أكثر أهمية من المتوسطات طويلة الأجل، وحيث تزيد الكوارث المتفاقمة -مثل انقطاع التيار الكهربائي الذي يلي الأعاصير- الخسائر المالية، وحيث يمكن لعوامل مثل نقاط التحول والتكيف أن تؤثر على النتائج.
قد ترغب الدراسات المستقبلية أيضاً في التركيز بشكل أقل على الناتج المحلي الإجمالي، الذي قد يغفل الضرر الهيكلي الذي يلحق بالإنتاجية على المدى الطويل.
على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي ضخّ كميات كبيرة من مواد إعادة الإعمار إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، حتى مع تراجع التعليم وتدهور الصحة ما يُعيق النمو الاقتصادي المستقبلي.
مع ذلك، طلب باحثو جامعة إكستر ومبادرة تتبع المناخ من العلماء تقدير الخسائر الاقتصادية عند درجات حرارة معينة.
وقد ارتفعت هذه الخسائر من حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي عند ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية إلى حوالي 35% عند 3 درجات مئوية.
ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من التقرير هي أن الكوارث المناخية تلحق خسائر بالنشاط الاقتصادي الأساسي.
ولن تُخفف هذه الخسائر تدريجياً على مدى القرن القادم كما هو الحال مع أقساط السيارات.
في مرحلة ما، قد تكون هذه الخسائر كبيرة بما يكفي لوقف النمو أو عكس مساره تماماً.
إن الدول التي تُدرك هذه النتائج وتستعد لها ستتكبد خسائر أقل عند وقوعها.
أما ترامب، فيختار تجاهل الواقع. ولن يكون ذلك خياراً مريحاً.







