تتسم التحديات التنموية اليوم بتعقيدٍ وتشابكٍ غير مسبوقين، يتزامنان مع تقييدٍ ملحوظٍ للموارد المتاحة.
وهذا الواقع يفرض علينا استجابةً أكثر تناغماً وتنسيقاً؛ إذ لم يعد التساؤل حول جدوى العمل المشترك، بل حول مدى قدرتنا على تحويله إلى نتائج ملموسة وبسرعة تضاهى حجم التحديات.
لهذا السبب، تعمل مجموعة البنك الدولى على تفعيل قوة التمويل المشترك – من خلال تعبئة الموارد، وتنسيق الجهود، وتحويل التعاون إلى نتائج ذات أثرٍ إيجابي.
ولا يُعد التمويل المشترك أسلوباً جديداً، لكنه اكتسب أهمية متزايدة فى واقعنا اليوم.
فحينما يصطف الشركاء خلف الأولويات الوطنية للبلدان، يؤدى التمويل المشترك إلى الحد من تجزؤ المعونة، وخفض تكاليف المعاملات، ما يفتح الآفاق أمام البلدان لإدارة مشاريع كبرى وأكثر تعقيداً تتجاوز قدرات الممول الواحد.
ويسلط تقرير حديث صدر بعنوان «البناء معاً: التقدم المُحرز فى التمويل المشترك لدى البنك الدولى لعام 2025» الضوء على الإمكانات الكبيرة لهذا النهج التمويلي.
فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، شهد التمويل المشترك لمشروعات مجموعة البنك الدولى نمواً مطرداً، محققاً رقماً قياسياً بلغ 7.6 مليار دولار فى السنة المالية 2025.
ويرجع هذا النمو إلى إصلاحات مدروسة شملت رسم مسارات أوضح للتمويل، وتقديم ترتيبات أكثر جاذبية لتقاسم التكاليف، وتعزيز الشراكات المؤسسية.
كما يجسد هذا التطور تجدد التزام بنوك التنمية متعددة الأطراف والشركاء الثنائيين بالعمل كمنظومة واحدة متكاملة.الانتقال من التنسيق إلى إحداث الأثر الإنمائي
مع اكتساب التمويل المشترك زخماً متزايداً، بات الشركاء أكثر توافقاً على نقطة جوهرية، ألا وهى أن توسيع نطاق التعاون يتطلب اتجاهاً مشتركاً أكثر وضوحاً لآليات العمل المشترك.
فى فبراير 2026، ستعقد مجموعة البنك الدولى بالاشتراك مع وزارة الاقتصاد والمالية المغربية ومجموعة الوكالة الفرنسية للتنمية، منتدى رفيع المستوى تحت عنوان «قوة تضافر الشركاء: التمويل المشترك من أجل التقدم» فى مدينة الدار البيضاء بالمغرب.
وسيضم المنتدى قياداتٍ من الحكومات وبنوك التنمية متعددة الأطراف والشركاء الثنائيين وشركاء التمويل المشترك لتبادل الخبرات العملية، وتوضيح آليات عمل التمويل المشترك – بما فى ذلك مع القطاع الخاص – وتحديد الفرص الكفيلة بتعزيز التعاون بينها.
ويوفر المغرب بيئة استثمارية وتجارية جاذبة؛ فمن محور النقل واللوجستيك فى الدار البيضاء الكبرى إلى الاستثمارات الحديثة الرامية لتعزيز أداء الجماعات الترابية، تجسد التجربة المغربية قدرةَ التمويل المنسق على إحداث نتائج ذات أثر تحولي.
وتُعد مجموعة الوكالة الفرنسية للتنمية، بصفتها أكبر شريك ثنائى للبنك الدولى فى مجال التمويل المشترك على مدار العقد الماضي، نموذجاً حياً لما يمكن تحقيقه عبر الشراكات المُهيكَلة طويلة الأمد، حيث كانت فى طليعة الشركاء الثنائيين المنضمين لجهود العمل المشترك من خلال المنصة العالمية للتمويل المشترك التعاوني، والتى قام البنك الدولى وتسعة من بنوك التنمية متعددة الأطراف بإطلاقها فى عام 2024.
الشراكات بالغة الأهمية
تتجلى قيمة التمويل المشترك بأوضح صورها على أرض الواقع.
ففى مختلف المناطق والاقاليم، تعمل المشروعات القائمة على التمويل المشترك، على توسيع نطاق الحصول على الطاقة، وتعزيز شبكات النقل، والارتقاء بجودة أنظمة الصحة والتعليم، بالإضافة إلى مساندة التعافى القادر على الصمود.
وتبرهن هذه الاستثمارات على أن تحويل الطموحات إلى إنجازات مستدامة هو النتيجة المتوقعة عندما تقوم المؤسسات بحشد الموارد اللازمة، وتقاسم المخاطر، ومواءمة الإجراءات.وتساعد المنصة العالمية للتمويل المشترك التعاونى على تيسير هذا التعاون.
وتهدف المنصة إلى ربط الشركاء بمشروعات فعلية، وتعزيز الشفافية، وتخفيف الأعباء الإدارية عن البلدان المتعاملة مع البنك.
ويشترك فى المنصة حالياً شركاءٌ ثنائيون رئيسيون وغيرهم من جهات التمويل المشترك.
وتساند المنصة أيضاً مبادرات رائدة مثل «المهمة 300»، وهى مبادرة طموحة مشتركة بين البنك الدولى والبنك الأفريقى للتنمية، تهدف إلى توفير الكهرباء لنحو 300 مليون نسمة فى أفريقيا جنوب الصحراء بحلول عام 2030.
وبمظلتها التى تشمل أكثر من 233 مشروعاً – نجح 22 منها بالفعل فى إيجاد شركاء للتمويل المشترك – تعمل المنصة العالمية للتمويل المشترك التعاونى على ترسيخ قيم الشفافية والتنسيق وتوسيع شبكة الشركاء.
كما تسهم بفاعلية فى الحد من تكرار الجهود وحشد رؤوس أموال إضافية لدعم الأولويات الإنمائية الأكثر إلحاحاً.بناء المستقبل معاً
يؤكد التقدم الموثق فى تقرير «البناء معاً» أن التمويل المشترك بات يحقق نجاحات ملموسة على أرض الواقع.
وتثبت المنصة العالمية للتمويل المشترك التعاونى قدرتنا على مأسسة العمل الجماعى على نطاق واسع؛ لذا تكمن المهمة الآن فى العمل معاً وفق رؤية موحدة تمكننا من المضى قدماً نحو المستقبل.
وفى عالمٍ يواجه شحاً فى الموارد وتزايداً فى الاحتياجات، يظل التمويل المشترك برهاناً على قدرة العمل متعدد الأطراف على تحقيق نتائج فارقة.
ومن خلال توحيد الجهود المقترنة بالوضوح والمرونة ووحدة الهدف، يمكننا مساعدة البلدان على تعزيز قدرتها على الصمود، وخلق فرص العمل، وتوسيع نطاق الفرص بالحجم الذى تقتضيه تحديات المرحلة الحالية.








