بدأت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تنعكس على أداء الاقتصاد العالمي، حيث من المتوقع أن تكشف بيانات اقتصادية مرتقبة عن تباطؤ متزامن في النشاط الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى، وسط تصاعد الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.
وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن قراءات مؤشرات مديري المشتريات (PMI) في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وعدة اقتصادات رئيسية ستسجل تراجعاً خلال مارس، بما يعكس ضعفاً في قطاعات التصنيع والخدمات، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وقد أدت التوترات إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة المخاوف بشأن سلامة طرق الشحن والإمدادات، خاصة عبر الممرات الحيوية في الشرق الأوسط، مما زاد من احتمالات ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، وبالتالي زيادة الضغوط على أسعار المستهلكين، بحسب تقرير لوكالة “بلومبرج” الإخبارية.
وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال، كريس ويليامسون، إن تأثير الحرب على التضخم أصبح محور اهتمام رئيسي للبنوك المركزية، موضحاً أن صناع السياسات يراقبون أيضاً مؤشرات الطلب وثقة الشركات لتقييم مخاطر تباطؤ النمو.
وتتوقع الأسواق صدور بيانات أولية لمؤشرات مديري المشتريات في اقتصادات تشمل اليابان والهند وأستراليا، إضافة إلى منطقة اليورو والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، مما يوفر أول تقييم شامل للأثر الاقتصادي للتصعيد الجيوسياسي.
ومن المنتظر أن يسجل مؤشر توقعات الأعمال في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تراجعاً إلى أدنى مستوى في 13 شهراً، مما يعكس تنامي المخاوف بشأن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على القطاع الصناعي الأوروبي، الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات.
كما تستعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لنشر توقعات اقتصادية محدثة تُعد الأولى منذ اندلاع الحرب، وقد تقدم مؤشرات أولية حول تأثير الأزمة على النمو العالمي والتجارة، قبل صدور التوقعات الشاملة من صندوق النقد الدولي في أبريل المقبل.
وقد دفعت التطورات الأخيرة عدداً من البنوك المركزية إلى إعادة النظر في توجهاتها النقدية؛ ففي المملكة المتحدة تم تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة، بينما تبنى مسؤولو منطقة اليورو موقفاً يميل إلى التشديد النقدي لمواجهة مخاطر التضخم.
وفي أستراليا، قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة مجدداً في ظل استمرار ارتفاع الأسعار، بينما أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى أن خفض تكاليف الاقتراض قد يستغرق وقتاً أطول من المتوقع، مع استمرار مراقبة تأثير الحرب على الاقتصاد.
ومن المتوقع أن توفر بيانات ثقة المستهلك في الولايات المتحدة، الصادرة عن جامعة ميشيغان، مؤشراً على مدى تأثر الأسر بارتفاع أسعار الوقود، وهو عامل رئيسي في تشكيل توقعات التضخم.
وفي آسيا، يُتوقع أن تُظهر بيانات التضخم في اليابان تباطؤاً مؤقتاً نتيجة إجراءات دعم الطاقة، غير أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة، كما يرجح أن تدعم بيانات الأسعار في أستراليا استمرار سياسة التشديد النقدي.
وفي أوروبا، ستسلط بيانات التضخم في المملكة المتحدة الضوء على استمرار الضغوط السعرية، خاصة مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، مما يعكس تزايد قلق المستثمرين بشأن آفاق التضخم.
ويرى محللون أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والنقل البحري، مما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر على معدلات النمو في الاقتصادات الصناعية والناشئة على حد سواء.
كما يتوقع أن تؤثر حالة عدم اليقين الجيوسياسي على قرارات الاستثمار العالمية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا، في وقت تسعى فيه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها لمواجهة المخاطر المحتملة.
ويترقب المستثمرون أيضاً قرارات السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات، من بينها النرويج وجنوب أفريقيا والمكسيك وتشيلي، وسط توقعات بأن تدفع التطورات الجيوسياسية العديد من البنوك المركزية إلى تبني نهج أكثر حذراً خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد خبراء أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو اتساع نطاق التوترات قد يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، مما يرفع احتمالات تباطؤ النمو ويدفع صناع القرار إلى موازنة صعبة بين دعم النشاط الاقتصادي واحتواء التضخم.








