دخلت سوق التوريق في مصر، مرحلة جديدة عنوانها “حوكمة أكبر مقابل زمن أطول”، بعد حزمة قرارات تنظيمية متزامنة من الجهات الرقابية، أعادت رسم خريطة تنفيذ العمليات، دون المساس بجوهر النشاط أو جاذبيته كأداة تمويل سريعة.
ففي الوقت الذي طالبت فيه الهيئة العامة للرقابة المالية، الشركات بمراجعة المحافظ محل التوريق قبل إتمام العمليات، ألزم البنك المركزي البنوك المشاركة في الاكتتاب بالرجوع إليه والحصول على موافقة مسبقة قبل الدخول في أي إصدار، وهو ما يضيف طبقة رقابية مزدوجة على كل عملية.
هذه التحركات، وإن كانت تعزز مستويات الحوكمة والانضباط داخل السوق، إلا أنها تطرح تساؤلات حول تأثيرها على سرعة تنفيذ الصفقات، خاصة أن التوريق يعتمد في الأساس على عامل “الوقت” كميزة تنافسية مقارنة بأدوات التمويل التقليدية.
قال حاتم الهادي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة كارفي للاستشارات المالية، إن قرار البنك المركزي بإخطار البنوك قبل المشاركة في الاكتتاب بعمليات التوريق، لا يخرج عن كونه إجراءً تنظيميًا يستهدف إحكام الرقابة على السوق، مشيراً إلى أنه يعزز من قدرة الجهات المعنية على متابعة العمليات بشكل أدق.
وأوضح أن اشتراط الرجوع المسبق قد يضيف خطوة زمنية جديدة داخل دورة التنفيذ، لكنه لا يصل إلى حد تعطيل النشاط أو تقويض جدواه، لافتًا إلى أن السوق اعتاد على التكيف مع مثل هذه التعديلات التنظيمية.
وأشار الهادي، إلى أن تزامن القرار مع توجه “الرقابة المالية” لمراجعة المحافظ قبل التوريق يعكس اتجاهًا واضحًا نحو تعزيز جودة الأصول محل الإصدار، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة السوق على المدى الطويل.
قباني: التشديدات الرقابية تضبط السوق دون رفع مستوى المخاطر
من جانبه، قال هيثم قباني، العضو المنتدب لشركة بيتا كابيتال، إن القرارات الأخيرة تمثل تحولًا نحو تشديد الرقابة المسبقة بدلًا من الرقابة اللاحقة، وهو ما يعزز من سلامة السوق، لكنه في الوقت ذاته قد ينعكس على مدة تنفيذ عمليات التوريق.
أضاف أن إدخال موافقة البنك المركزي كشرط مسبق لمشاركة البنوك في الاكتتاب، إلى جانب مراجعة المحافظ من قبل الرقابة المالية، يعني عمليًا زيادة عدد المراحل التي تمر بها الصفقة قبل إغلاقها، وهو ما قد يطيل الجدول الزمني للتنفيذ.
ورغم ذلك، أكد أن سوق التوريق في مصر لا يُعد بطبيعته عالي المخاطر، وبالتالي فإن هذه الإجراءات تستهدف التنظيم أكثر من كونها استجابة لمخاطر قائمة، مشيرًا إلى أنها لن تؤثر على شهية المستثمرين أو البنوك تجاه هذه الأداة.
حسين: التوريق سيظل أداة سيولة رئيسية رغم إطالة الإجراءات
وأكد تامر حسين، نائب رئيس مجلس إدارة شركة إيليت للاستشارات المالية، أن التوريق سيظل أحد أهم أدوات توفير السيولة للشركات، حتى مع زيادة المتطلبات التنظيمية.
وأوضح أن أي إطالة في مدة التنفيذ قد تكون “تكلفة تنظيمية مقبولة” مقابل تحسين جودة العمليات، خاصة أن مراجعة المحافظ قبل التوريق تقلل من احتمالات التعثر وترفع من ثقة المستثمرين في الإصدارات.
أشار حسين، إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرارات التنظيمية، بل في قدرة الشركات على تجهيز محافظ مؤهلة للتوريق وفق المعايير الجديدة، وهو ما يتطلب مستوى أعلى من الجاهزية والحوكمة الداخلية.
كما لفت إلى أن زيادة الوعي بهذه الأدوات ستدفع الشركات للتعامل بشكل أكثر احترافية مع متطلبات التوريق، بما يقلل تدريجياً من أثر إطالة الإجراءات.
شوقي: القرارات تدعم الحوكمة لكنها قد تمد دورة التنفيذ
وقال أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن القرارات الأخيرة تعكس توجهًا واضحًا من الجهات الرقابية نحو تحقيق توازن بين الانضباط والمرونة، مشيرًا إلى أن تعزيز الحوكمة كان ضروريًا مع النمو المتسارع لنشاط التوريق.
وأضاف أن اشتراط مراجعة المحافظ والحصول على موافقات مسبقة من البنك المركزي قد يؤدي إلى إطالة نسبية في زمن تنفيذ العمليات، لكنه في المقابل يحد من أي ممارسات غير منضبطة، ويعزز الشفافية داخل السوق.
وأكد شوقي، أن هذه الإجراءات لا تستهدف تقييد النشاط، وإنما تنظيمه بشكل أكثر إحكامًا، خاصة مع تزايد اعتماد الشركات على التوريق كمصدر تمويل رئيسي.








