قبالة السواحل الجنوبية لمنطقة بايو في ولاية لويزيانا، حيث تمتزج مياه نهر المسيسيبي بمياه الخليج، خفّض كريستيان روسيف سرعة قاربه المزوّد بمحركين والبالغ طوله 27 قدماً، من أجل إطالة عمر الوقود.
القارب المعدّ للصيد مزوّد بخزان يتسع لـ110 غالونات (416 لتراً) من البنزين، وهي كمية كانت كلفتها تزيد قليلاً على 300 دولار فقط مطلع العام. لكن منذ اندلاع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما أحدثته من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، قفزت كلفة إعادة التزوّد بالوقود إلى نحو 425 دولاراً.
يقول روسيف البالغ من العمر 23 عاماً “وصلت تقريباً الحد الأقصى لقدرتي. أعيش يوماً بيوم، وأحاول ادخار أكبر قدر ممكن من المال”.
صدمة الوقود تضرب اقتصاد القوارب الأمريكي
أشعلت الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير موجة ارتفاع في أسعار البنزين لركاب السيارات، والديزل لسائقي الشاحنات، ووقود الطائرات لشركات الطيران، ما سرّع ظاهرة “تدمير الطلب” وقيّد القدرة على تحمّل تكاليف طيف واسع من السلع والخدمات.
في خضم كلّ ذلك، قد لا يحظى قطاع القوارب الترفيهية بالاهتمام ذاته، لكن مع تجاوز متوسط سعر غالون البنزين 4 دولارات واقتراب الديزل من 6 دولارات نتيجة صراع يدور على مسافة بعيدة، يجد قطاع يعتمد على محركات كبيرة كثيفة الاستهلاك نفسه تحت ضغط متزايد.
ومن المرجح أن تنعكس هذه الضغوط سريعاً على الاقتصادات الساحلية مع انطلاق موسم القوارب الصيفي، أو حتى في حال تعثّره.
فإلى جانب صيد السمك، يُعدّ الإبحار الترفيهي ركيزة أساسية في اقتصاد الأنشطة الخارجية في الولايات المتحدة الذي يساهم بنحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وفقاً لمكتب التحليل الاقتصادي.
قفزت مبيعات القوارب خلال جائحة كوفيد-19، مع توجه الأميركيين ممن أُتيح لهم العمل المرن نحو أنشطة أكثر تباعداً اجتماعياً، ولا يزال كثير منهم يقضي وقتاً في أعماق البحار حتى اليوم.
يدعم هذا القطاع أكثر من 812 ألف وظيفة، ويولّد إنفاقاً سنوياً يقارب 230 مليار دولار، مع تدفّق الأموال عبر المرافئ وأحواض بناء القوارب إلى الشركات المحلية ورواتب العاملين، بحسب “الرابطة الوطنية لمصنّعي القوارب” .
ومع نزول روّاد القوارب إلى اليابسة، يتجه إنفاقهم إلى المرافئ ومتاجر معدات الصيد والمطاعم المطلة على الأرصفة، ما يُبقي الاقتصادات المحلية نشطة خلال أشهر الطقس الدافئ بالغة الأهمية.
الوقود يعيد رسم خريطة الإبحار
حياة القوارب ليست حكراً على الأثرياء. فبحسب “الرابطة الوطنية لمصنّعي القوارب”، يقلّ دخل أكثر من 60% من روّاد القوارب عن 100 ألف دولار سنوياً.
كما أن معظم القوارب ليست يخوتاً فاخرة، إذ يقلّ طول نحو 95% من القوارب في الولايات المتحدة عن 26 قدماً، ويمكن نقلها بالمقطورة إلى المسطحات المائية المحلية، وتشمل قوارب البونتون وقوارب الصيد والقوارب العائلية.
وغالباً ما يدفع هؤلاء الهواة ثمن الوقود مباشرة عند التزوّد به، على عكس المشغّلين التجاريين الكبار القادرين على التحوّط أو تثبيت الأسعار بعقود، بالتالي هم يواجهون ارتفاع التكاليف لحظة بلحظة.
لاحظت شركة “سنتكس ماريناز” (Suntex Marinas) التي تدير أكثر من 100 موقع في أنحاء الولايات المتحدة، أن روّاد القوارب باتوا يتزوّدون بالوقود بوتيرة أقل، في إشارة إلى بدء تعديل خطط رحلاتهم.
ويتوقع ريتش كارتر، مدير العمليات في الشركة، أن يتخلى مزيد من العملاء في جنوب فلوريدا عن الرحلات إلى جزر الباهاما، التي قد تستهلك مئات الغالونات من الوقود، لصالح رحلات أقصر داخل جزر “كيز”. وهو يدرس سبل الاستفادة من هذا التحول، عبر الترويج لدروس الإبحار داخل المرافئ وإضافة فعاليات موسيقية حية في مطاعم وحانات المراسي.
في مانهاتن السفلى، تنصح أمل سلامة، مالكة “بيغ آبل تشارترز” (Big Apple Charters) عند نهر هدسون، بنهج تقشف للحفاظ على نشاط القوارب. وتقول: “هناك خيارات شخصية يمكن اتخاذها”، مثلاً، تقليل عدد المشروبات قبل الرحلة بأسبوع لادخار المال من أجل تخصيصه للوقود.
ومن جانبها، تتحمّل سلامة جزءاً من الزيادة في التكاليف، إذ امتصّت شركتها ارتفاع أسعار الوقود للحفاظ على الأسعار مستقرة منذ خمس سنوات، مستفيدة جزئياً من قِصر المسافات التي تقطعها قواربها. وقالت “بعد ستة أشهر، إذا تحدثنا مجدداً وما زلنا عند هذا المستوى، فسنضطر إلى إعادة النظر”.
اقتصادات السواحل تواجه الخسائر
حتى إذا أُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل وعادت تدفقات الطاقة إلى طبيعتها، فإن تراجع التكاليف لن يكون فورياً. فقد حذرت “إدارة معلومات الطاقة الأميركية” من أنه حتى في حال انتهاء الصراع في أبريل، قد تبقى أسعار البنزين والديزل مرتفعة حتى العام المقبل، وسط تكيّف الأسواق مع أحد أسوأ الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية.
ولن يتضح حجم تراجع إنفاق روّاد القوارب قبل أواخر الربيع، عندما يختبر الطقس الدافئ الطلب في أسواق أميركية رئيسية، من الساحل الشمالي الشرقي إلى بحيرات الغرب الأوسط، إذ يمكن غالباً للقوارب في الجنوب الشرقي أن تواصل الإبحار في معظم فصول السنة.
في تلك المجتمعات الساحلية، قد تضطر المطاعم والمتاجر ومعظم الأنشطة المرتبطة بإبحار القوارب وإنفاق أصحابها إلى تسريح موظفين وخفض النفقات، بحسب ماريانو توراس، أستاذ الاقتصاد في جامعة “أدلفي” في لونغ آيلاند بنيويورك.
وقال “كلما طال أمد ما يجري وبقيت الأسعار مرتفعة بعناد، فإن هذه الأنشطة ستعمل على الحدّ من الخسائر”.
استراتيجيات الصيد في زمن الوقود الباهظ
في مناطق بايو شبه المدارية، حيث يمتد موسم القوارب طوال العام، يبذل روسيف كل ما في وسعه لمواصلة شغفه بصيد الأسماك رغم ارتفاع التكاليف.
قبل الانطلاق، يراقب اتجاه الرياح، فالإبحار مع اتجاهها قد يوفر بضعة دولارات لكل ميل. وخلال الرحلة، يخفّف سرعة القارب إلى النصف، ويكتفي بمناطق صيد أقرب إلى الشاطئ.
كما يعمل على تقليل الحمولة قدر الإمكان، بالتخلي عن المعدات الزائدة من قصبات وأدوات إضافية، لتقليص استهلاك الوقود. وعند الوصول إلى موقع الصيد، يوقف المحرك الرئيسي ويستخدم محركاً صغيراً يعمل بالبطارية للتنقل لمسافات تتراوح بين 100 و200 ياردة دون استهلاك البنزين.
وقال “رحلات الصيد التي أخطط لها أصبحت محسوبة باستراتيجية كبيرة”.
لا تقتصر مخاوف روسيف على البحر، بل تمتد إلى حياته على اليابسة. فمع اقتراب أسعار الديزل من مستويات قياسية، اضطرت شركة عائلته لصناعة الثلج إلى فرض رسوم إضافية على التوصيل لتعويض كلفة الوقود. وقال “الأمر مقلق للغاية. حدث ذلك في طرفة عين”.
على الأقل في عرض المياه، يدرك فروسيف، أول طالب من ذوي البشرة السوداء في ولاية لويزيانا يحصل على منحة دراسية لصيد سمك القاروص، أنه لن يعود خالي الوفاض. ويقول: “لديّ أماكن أعتمد عليها تضمن لي حصيلة جيدة من الصيد. أنا واثق أنني سأصطاد”.








