رغم تراجع حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، لم ينجح سوق أدوات الدين الحكومية المصرية حتى الآن في استعادة الزخم القوي لتدفقات المستثمرين الأجانب، في ظل استمرار حالة الحذر تجاه الأسواق الناشئة، وترقب المستثمرين اتضاح الرؤية بشأن مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساته على الاقتصاد العالمي.
وأجمع خبراء سوق المال على أن هدوء الحرب وحده لا يكفي لإعادة الأموال الأجنبية سريعًا إلى السوق المصري، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بسعر الصرف، وارتفاع تكلفة التمويل عالميًا، إلى جانب الضبابية التي تحيط باتجاهات السياسة النقدية الدولية وحركة الدولار.
وبحسب بيانات البورصة المصرية، بلغت قيمة تخارجات الأجانب من أدوات الدين الحكومية عبر السوق الثانوية منذ اندلاع التوترات في المنطقة وحتى نهاية الأسبوع الماضي نحو 7.4 مليار دولار، مقابل مشتريات بنحو 5.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بما يعكس استمرار التحركات الحذرة للمستثمرين وعدم عودة التدفقات إلى مستوياتها السابقة.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية إلى أعلى مستوى لها عند 423 نقطة أساس خلال مارس الماضي، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى نحو 309 نقاط أساس خلال مايو الجاري، في إشارة إلى تحسن نسبي في شهية المخاطرة، لكنه لايزال محدودًا بفعل استمرار حالة عدم اليقين العالمية.
كما تعرض سوق الصرف لضغوط ملحوظة منذ تصاعد التوترات، إذ سجل الدولار أعلى مستوى له أمام الجنيه قرب 54.8 جنيه للبيع في بعض البنوك خلال أبريل الماضي، قبل أن يتحرك لاحقًا في نطاق أكثر استقرارًا قرب 52 إلى 53 جنيهًا.
طه: استقرار الجنيه وحده لا يكفي لجذب المستثمرين الأجانب مجددًا
قالت سلمى طه، مدير إدارة البحوث بشركة النعيم للوساطة في الأوراق المالية، إن المستثمرين الأجانب لا يزالون يتعاملون بحذر مع أدوات الدين المصرية رغم تراجع حدة التوترات العسكرية، موضحة أن حالة عدم اليقين العالمية ما زالت تضغط على قرارات الاستثمار في الأسواق الناشئة.
وأضافت أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية محليًا لا يكفي وحده لتعويض الضغوط الناتجة عن اتساع العجز التجاري وتراجع صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على السيولة الدولارية داخل السوق.
وأوضحت أن قرار المستثمر الأجنبي لا يعتمد فقط على مستويات أسعار الفائدة المرتفعة، وإنما يرتبط بصورة أكبر باستقرار سعر الصرف الحقيقي، ومستوى المخاطر الجيوسياسية، واتجاهات السيولة العالمية.
وأكدت أن استقرار الجنيه قرب مستويات 52 و53 جنيهًا لا يمثل وحده عنصر جذب كافيًا، في ظل استمرار توقعات التقلب، خاصة مع اتجاه المحافظ الاستثمارية العالمية نحو أدوات أقل مخاطرة في بيئة نقدية لا تزال تتسم بالتشدد.
وترى طه أن خروج الأجانب من أدوات الدين المصرية لا يعكس ضعفًا داخليًا حادًا بقدر ما يعكس إعادة تسعير للمخاطر في بيئة عالمية مضطربة، متوقعة أن تظل عودة التدفقات الأجنبية أقرب إلى مسار تدريجي حذر وليس إلى عودة سريعة وقوية.
نجلة: التوترات الجيوسياسية تُبقي الجميع في حالة ترقب وحذر
من جانبه، قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، إن الأسواق العالمية ما زالت تتحرك في بيئة يغلب عليها عدم اليقين رغم مؤشرات التهدئة الأخيرة على الصعيد الجيوسياسي.
وأوضح أن المشهد الحالي لا يعكس تسوية نهائية للأوضاع، لكنه يعبر عن حالة متذبذبة بين التصعيد والتهدئة، سواء على مستوى التصريحات السياسية أو التحركات الميدانية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة من التحوط.
وأضاف أن الأسواق الناشئة، بما فيها سوق أدوات الدين المصرية، تتأثر بصورة مباشرة بهذه الضبابية، ما يدفع المستثمرين الأجانب إلى تقليص الانكشاف على الأصول عالية المخاطر بصورة مؤقتة.
وأشار إلى أن تحركات المستثمرين الأجانب في السوق الثانوية لا تزال تتسم بالتذبذب، مع ظهور موجات شراء محدودة عند بروز إشارات تهدئة، يعقبها عودة للبيع مع أي تصعيد جديد، دون وجود اتجاه واضح نحو العودة القوية أو التخارج الكامل.
وأكد نجلة أن استقرار الجنيه نسبيًا قرب مستويات 52 و53 جنيهًا يعكس حالة من التوازن الحذر داخل السوق، وليس اتجاهًا صعوديًا أو هبوطيًا واضحًا، متوقعًا أن يظل أداء سوق الدين مرهونًا بمسار التطورات الجيوسياسية خلال الفترة المقبلة.
صقر: سعر الصرف المرن يعزز الثقة في السوق
وقال سيف صقر، الشريك الإداري بشركة زالدي كابيتال، إن عودة المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المصرية ترتبط بشكل أساسي بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية والعالمية، موضحًا أن استمرار التوترات يحد من عودة التدفقات بصورة قوية.
وأضاف أن تطبيق سعر صرف مرن يتحرك وفقًا لآليات العرض والطلب يمثل أحد أهم عوامل الجذب للمستثمر الأجنبي، خاصة أن الأسواق أصبحت تراقب قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية دون اللجوء إلى تثبيت مصطنع للعملة.
وأوضح أن سعر الصرف لايزال يمثل أكبر عنصر مخاطرة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، إلا أن مرونة الجنيه تمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الثقة، في ظل تحرك الدولار وفقًا لتطورات السوق والتوترات العالمية.
وأشار إلى أن السوق المصرية لاتزال توفر عوائد حقيقية جاذبة مقارنة بمعدلات التضخم الحالية، وهو ما يدعم استمرار جاذبية أدوات الدين الحكومية نسبيًا رغم الضغوط العالمية.
وأضاف أن تأثير التوترات الجيوسياسية لا يقتصر فقط على حركة الأموال الساخنة، بل يمتد أيضًا إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بما ينعكس على معدلات التضخم محليًا وعالميًا، ويزيد من حالة الحذر في قرارات الاستثمار خلال المرحلة الحالية.
وفي المقابل، أظهرت مذكرة بحثية صادرة عن بنك مورجان ستانلي أن المخاطر المالية في مصر أصبحت أكثر اعتدالًا مقارنة بالسنوات الماضية، مدعومة بعدة عوامل، من بينها سداد نحو 5 مليارات دولار من مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول، وخفض المتأخرات إلى نحو 1.2 مليار دولار، فضلًا عن نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 31% خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026.








