تُعد قدرة أي دولة على النفاذ إلى أسواق الدين الدولية في توقيتات تتسم بارتفاع أسعار الفائدة العالمية والتوترات الجيوسياسية، مؤشرًا مهمًا على كيفية تقييم المستثمرين.
لمخاطر الاقتصاد الكلي، وليس فقط على احتياجاتها التمويلية. لذلك فإن نجاح مصر في إصدار سندات اجتماعية وتنموية بقيمة مليار دولار، مع تغطية تجاوزت خمسة أضعاف حجم الطرح، يستحق القراءة من زاوية اقتصادية ومالية أكثر هدوءًا وموضوعية.
الأسواق الدولية لا تتحرك بمنطق الانطباعات، وإنما وفق معايير تتعلق بقدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية، واستقرار السياسات النقدية والمالية، ومستوى الاحتياطيات، وتوقعات النمو، وهيكل الدين، ومدى وضوح الرؤية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، فإن الإقبال على الطرح يعكس وجود شريحة من المستثمرين ترى أن أدوات الدين المصرية لا تزال قادرة على تحقيق توازن مقبول بين العائد والمخاطر، رغم الضغوط الإقليمية والدولية القائمة.
كما أن اتجاه الحكومة نحو أدوات التمويل المرتبطة بالأهداف الاجتماعية والتنموية يعكس تغيرًا تدريجيًا في فلسفة الاقتراض نفسها.
فالسندات التنموية لم تعد مجرد أداة لتمويل العجز، بل أصبحت مرتبطة ببرامج إنفاق ذات أثر اقتصادي واجتماعي واضح، خاصة في قطاعات مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وهي قطاعات باتت تحظى باهتمام متزايد من المؤسسات التمويلية والصناديق الاستثمارية الدولية.
ومن منظور محاسبي ومالي، فإن القضية الأهم لا تتعلق فقط بحجم الاقتراض، وإنما بكفاءة إدارة الدين وتكلفة التمويل وآجال الاستحقاق وطبيعة استخدام الموارد.
فأسواق المال تتابع بصورة دقيقة قدرة الحكومات على إعادة هيكلة مزيج التمويل، وإطالة متوسط عمر الدين، وتقليل الضغوط قصيرة الأجل على الموازنات العامة.
وفي هذا السياق، فإن الحديث الحكومي المتكرر عن العمل على خفض مستويات الدين الخارجي تدريجيًا، وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية، يظل مرتبطًا في النهاية بقدرة الاقتصاد الحقيقي على تحقيق معدلات نمو إنتاجية، وزيادة الصادرات، وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي، لأن استدامة الدين لا تُقاس فقط بحجم الاقتراض، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة.
كذلك، فإن العائد على الإصدار، البالغ نحو 7.6٪، يجب قراءته في إطار بيئة التمويل العالمية الحالية، التي تشهد ارتفاعًا في تكلفة الاقتراض بالنسبة لمعظم الأسواق الناشئة، نتيجة التشديد النقدي العالمي وارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية.
وبالتالي فإن تقييم تكلفة الطرح ينبغي أن يتم مقارنة بالظروف السائدة في الأسواق الدولية، وليس بمعزل عنها.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن تنوع أدوات التمويل الخارجي يمنح الاقتصاد قدرًا أكبر من المرونة في إدارة الاحتياجات التمويلية، لكنه في الوقت نفسه يفرض أهمية أكبر لتعزيز كفاءة الإنفاق العام، وربط التمويل بمشروعات قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد.
في تقديري، فإن أهمية هذا الإصدار لا تكمن فقط في نجاح الطرح نفسه، وإنما في كونه اختبارًا جديدًا لقدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على ثقة المؤسسات التمويلية الدولية، في مرحلة تتسم بحساسية شديدة تجاه المخاطر في الأسواق الناشئة.
وهي ثقة تظل مرتبطة باستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الحقيقي على المدى الطويل.
بقلم: رامي فتح الله، رئيس لجنة الضرائب بـ الجمعية المصرية اللبنانية لرجال الأعمال








