تمثل اتفاقية شركة “بوينج” الأمريكية، لبيع 200 طائرة، نهاية فترة جفاف استمرت تسع سنوات في السوق الصينية، لكن هذه الصفقة جاءت أصغر بكثير من التوقعات، وسلطت الضوء على حجم التراجع الذي تكبدته الشركة في ثاني أكبر سوق للطيران في العالم.
لا يمكن للشركة الأمريكية القيام بالكثير بشكل مباشر لتجاوز عدد من العوائق في هذه السوق ذات الأولوية، خصوصاً عندما يتم توظيفها كورقة ضغط دبلوماسية.
ومع ذلك، يمكنها الاستفادة من النقص العالمي في الطائرات لجذب شركات الطيران الصينية، التي يُتوقع أن يتضاعف حجم أسطولها خلال العقدين المقبلين نتيجة الطلب القوي على السفر الجوي.
لذا، كان من المفاجئ أن تكون الصفقة المؤكدة أقل من نصف الـ500 طائرة التي ترددت أنباء عن مناقشات بشأنها.
لم تُعلن “بوينج” عن أي مبيعات كبيرة لشركات الطيران التجارية في الصين منذ آخر صفقة في نوفمبر 2017، خلال زيارة قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في ولايته الأولى.
عوائق عرقلت عمل “بوينج”
توقفت الطلبات عام 2018 بعد أن شنّ ترامب حربه التجارية الأولى على الصين.
وبعد عام، حظرت هيئات تنظيم الطيران العالمية تحليق طائرة “بوينج 737 ماكس”، الأكثر مبيعاً، عقب حادثتي تحطم مميتتين ناجمتين عن خلل في التصميم، ولم تساعد جائحة كورونا، التي أدت إلى انهيار الطلب على السفر الجوي، في تحسين الوضع.
لكنّ التنافس الجيوسياسي المتصاعد بات يُعيق شركة تصنيع الطائرات الأمريكية. إذ إن أكبر تحدٍّ تواجهه في الصين يتمثل في تحولها، إلى جانب قطاع الطيران الأمريكي بشكل عام، إلى ورقة ضغط استراتيجية تُستخدم كورقة مساومة بين واشنطن وبكين وفق أولويات كل طرف، وهو واقع يُتوقع أن يستمر.
وقد تجلّى هذا الضعف بوضوح في أبريل الماضي، عندما رفضت الصين بعض طائرات “بوينج” التي كانت قد طلبتها، ما دفع الشركة إلى البحث عن مشترين آخرين، وذلك بعد أن فرض ترامب تعريفات جمركية لا تقل عن 145% على المنتجات الصينية، ما طُلب من شركات الطيران الصينية التوقف عن شراء قطع الغيار والمعدات المصنعة في الولايات المتحدة.
استطاعت واشنطن، بالقدر نفسه، تصعيد الصراع.
فقد علّقت تصدير محركات الطائرات أمريكية الصنع في مايو، ما دفع “شركة الطائرات التجارية الصينية”، وهي شركة حكومية لتصنيع الطائرات تُعرف باسم “كوماك”، إلى خفض أهداف إنتاجها بشكل كبير.
“بوينج” تخسر المنافسة لصالح “إيرباص”
مع دخول الهدنة التجارية حيز التنفيذ، استأنفت “بوينج” عمليات التسليم، ولكن مع عودتها إلى سوق كانت تمثل 20% من مبيعاتها، تجد الشركة أن منافستها “إيرباص” قد تفوقت بقوة، مستفيدة من وجودها الصناعي المحلي في الصين ومن نهج أوروبا الأكثر براغماتية في التعامل مع بكين.
سيكون من الصعب على “بوينج” التغلب على هذه الروابط الصناعية والحكومية المتينة مع “إيرباص”، إذ تبلغ حصة الشركة الأوروبية في السوق حالياً 55%، مقارنةً بـ44% لـ”بوينج” و1% لـ”كوماك”، وفقاً لشركة التحليلات “سيريم ليمتد”، بعدما كانت الحصة بين الشركتين شبه متساوية قبل ست سنوات فقط.
تعمل “إيرباص” على تعزيز ريادتها.
فقد افتتحت خط تجميع ثانٍ في تيانجين قرب بكين في أكتوبر الماضي لإنتاج طائرات من عائلة “إيه 320” (A320) ذات الممر الواحد، والتي تنافس طائرات “بوينج 737 ماكس” و”كوماك سي 919″.
وفي المقابل، فإن إنشاء منشأة مماثلة لشركة “بوينج” يبدو غير عملي بسبب الاعتبارات السياسية في الولايات المتحدة المتعلقة بالاستثمار داخل سوق تُعدّ منافساً استراتيجياً، حتى وإن كان ذلك قد يساعد في تجنب الرسوم الجمركية مستقبلاً.
“كوماك” منافس صيني جديد
رغم تقدم “إيرباص” حالياً، فإن الشركتين الغربيتين ستواجهان على المدى الطويل منافسة متزايدة من شركة “كوماك” الصاعدة في شنغهاي، والتي تُعدّ نجاحاتها جزءاً محورياً من مساعي بكين لتعزيز مكانتها كقوة تكنولوجية عالمية.
ومع توقعات بتسليم 28 طائرة فقط هذا العام، لا يزال هذا الرقم أقل بكثير من هدف “إيرباص” البالغ 870 طائرة و”بوينج” البالغ 660 طائرة.
لكن في غضون أربع سنوات، من المتوقع أن ترتفع حصة شركة “كوماك” من تسليمات الطائرات ذات الممر الواحد، وهي الطائرات الأساسية في قطاع الطيران المدني، إلى شركات الطيران الصينية إلى حوالي 65%، وفقاً لدان تايلور، رئيس قسم الاستشارات في شركة “IBA”، وهي شركة متخصصة في معلومات سوق الطيران.
ورغم أن هذه النسبة ستمثل حوالي 7% فقط من إجمالي أسطول الطائرات ضيقة البدن قيد التشغيل عند احتساب طائرات “إيرباص” و”بوينج” الأقدم، إلا أنها تُظهر مدى سرعة النمو المتوقع لهذه الشركة الناشئة.
تمتلك “بوينج” قدرة محدودة للتفوق على منافسيها في الصين، لكنها ليست مضطرة لذلك، إذ إن الاستراتيجية الأمثل تتمثل في زيادة إنتاجها لتلبية الطلب القائم، خاصة مع تعافي السفر الجوي بعد الجائحة الذي تجاوز قدرة شركات صناعة الطائرات على التسليم، ما أدى إلى تراكم طلبات قياسي يمتد لأكثر من عقد.
سبل استعادة “بوينج” ريادتها في الصين
تُعدّ الجهود المبذولة لزيادة إنتاج طائرات بوينج “737 ماكس” و”787 دريملاينر” ذات الممرين خطوة في الاتجاه الصحيح.
ورغم أن لدى الشركة العديد من العملاء حول العالم، فإن عليها أن تفكر في إعطاء أولوية لشركات الطيران الصينية إذا كانت ترغب فعلاً في استعادة موقعها في السوق.
كما أن جميع شركات الطيران تعاني حالياً من ارتفاع كبير في أسعار وقود الطائرات، وهو أكبر بند تكلفة لديها، ما يجعل أي خطوات من جانب الشركة المصنعة لخفض التكلفة التشغيلية على مدى عمر الطائرة أمراً إيجابياً، ومن بين الحلول الممكنة تقديم خصومات أكبر من المعتاد على أسعار الطائرات المعلنة.
بشكل عام، فإن صفقة “بوينج”، التي أُنجزت بدعم من إدارة ترامب، تمثل عودة كاملة للشركة إلى السوق الصينية بعد انقطاع طويل، ورغم استمرار التحديات، فإن النقص العالمي في الطائرات قد يساعد في تسهيل عودتها إلى السوق.







