«قطاع التكرير العالمى قادر على حل مشكلة وقود الطائرات، خصوصاً إذا تراجع الطلب قليلاً استجابةً لارتفاع أسعار التذاكر»
تتابع العائلة والأصدقاء فى مجموعات الدردشة على «واتساب» تقلبات أسواق السلع، وسواء تعلق الأمر بموعد تغيير مزود خدمات الطاقة أو شراء زيت الزيتون، فأنا المحلل الداخلى للجميع.
وليس مستغرباً أن يكون سؤال اليوم هو ما إذا كانت الحرب الأمريكية الإيرانية ستوقف رحلات العطلات الصيفية الأوروبية؟
وحتى الآن، الإجابة هى: «لا»
تقديم النصائح للعائلة والأصدقاء لا يحمل أى مكاسب، بل الكثير من السلبيات.
لذلك، أرفقت رسائلى بالتحذير المعتاد: قد ينهار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تُستأنف الحرب.
لكن باستثناء تحقق أى سيناريو كارثى، فإن اليد الخفية للسوق تفعل ما يكفى بالفعل لإبقاء معظم الطائرات فى الأجواء.
شركات الطيران الأوروبية أكثر ثقة
قفزت أسعار وقود الطائرات بالجملة فى أسواق شمال غرب أوروبا وآسيا من مستوى ما قبل الحرب البالغ نحو 100 دولار للبرميل إلى مستوى قياسى تجاوز 230 دولاراً للبرميل فى أوائل أبريل. ومنذ ذلك الحين، تراجعت 30% إلى نحو 165 دولاراً للبرميل.
وقالت شركة «كاثاى باسيفيك»، إحدى أكبر شركات الطيران فى آسيا، مؤخراً إنها ستخفض الرسوم الإضافية على وقود الطائرات استجابةً لانخفاض أسعار الجملة.
بعد أن أصابها الذعر فى البداية، تبدو شركات الطيران الأوروبية أكثر ثقة الآن.
وصرح لويس جاليجو، الرئيس التنفيذى لشركة «آى إيه جى»، المالكة لـ«الخطوط الجوية البريطانية»، للصحفيين فى وقت سابق من الشهر الحالي: «دعونى أوضح ما يتعلق بتوافر الوقود: نحن لا نشهد حالياً انقطاعات فى وقود الطائرات، ولا نتوقع مشكلات فى الإمدادات هذا الصيف».
مخاطر متفاوتة بين خطوط الطيران
من المؤكد أن أسعار التذاكر سترتفع؛ وقد تحدث بعض الاضطرابات أيضاً. كما أن المخاطر لا تتساوى بين جميع الخطوط الجوية.
من هولندا إلى اليونان؟ لا مشكلة، إذ إن البلدين مصدران صافيان لوقود الطائرات.
ومن بولندا إلى البرتغال؟ المخاطر منخفضة أيضاً.
ومن النمسا إلى إسبانيا؟ لا يُفترض أن تكون هناك مشكلة، إذ لا يعتمد أى منهما بشكل كبير على الإمدادات الخارجية.
لكن ماذا عن الرحلات من المملكة المتحدة إلى فرنسا؟
هنا يصبح الوضع أكثر تعقيداً، لأن بريطانيا تمتلك مخزونات وطنية ضئيلة، ولا تغطى محلياً سوى 25% من احتياجاتها، فيما تُعدّ فرنسا أيضاً مستوردة كبيرة.
أكثر ما يثير قلقى ليس النقص الفعلى فى الإمدادات، بل احتمال أن يسيء مسئولو شركات الطيران تقدير حساباتهم، فإذا لم يثبتوا أسعار الوقود مسبقاً، لكنهم باعوا التذاكر مسبقاً، فقد تجد بعض شركات الطيران العارض نفسها تشغل طائرات بخسائر فادحة.
وأتوقع أن تواجه بعض شركات العطلات العارضة الإفلاس، ما يطلق موجة من الإلغاءات.
إضافةً إلى ذلك، فإن الشركات التى تحتاج أصلاً إلى إعادة هيكلة ستحوّل الوقود إلى شماعة جاهزة، فمن الأسهل بكثير إبلاغ سياسى بأن شركتك الجوية لن تسيّر رحلات إلى مطار إقليمى بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، بدلاً من الاعتراف بأن نموذج العمل فشل.
سوق وقود الطائرات سهل التعرض للاضطرابات
أتعاطف إلى حد ما مع قطاع الطيران. ففى نهاية المطاف، سوق وقود الطائرات عُرضة للاضطرابات.
فبسبب تركيبته الكيميائية، يصعب تخزين وقود الطيران أكثر من البنزين مثلاً.
وبسبب طريقة بيعه، على شكل شحنات للطائرات فى المطارات بدلاً من كميات صغيرة للسيارات عبر آلاف محطات الخدمة، يعتمد القطاع عادةً نموذج «التوريد فى الوقت المناسب».
وتحتفظ المطارات بكميات محدودة من الوقود فى التخزين، مع اعتمادها بدلاً من ذلك على خطوط أنابيب مباشرة تربطها بالمصافى ومحطات الاستيراد.
وعندما تحُل الأزمات، تضخّم هذه الترتيبات اللوجستية التأثيرات.
ولحسن الحظ، فإن سوق وقود الطائرات صغير؛ إذ يمثل أقل من 7.5% من إجمالى الطلب العالمى على النفط، لذلك فإن التغيرات المحدودة نسبياً فى إنتاج المصافى واستهلاك شركات الطيران يمكن أن تغير توازن العرض والطلب.
ولتوضيح الصورة، يشكل البنزين 26.5% من الاستهلاك العالمى للنفط، فيما يمثل الديزل نحو 28%، ما يتطلب تحولات أكبر لإعادة التوازن.
اعتماد كبير على الخليج فى إمدادات وقود الطائرات
تكمن المشكلة فى أن سوق وقود الطائرات العالمى، البالغ 7.8 مليون برميل يومياً، يعتمد بشدة على المصافى الموجهة للتصدير فى الخليج العربي.
وقد صدّرت المصافى السعودية والكويتية والإماراتية، على أساس صافٍ، نحو 400 ألف برميل يومياً من وقود الطيران العام الماضى.
ولم يؤدِّ إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل هذه التدفقات فقط، ما وجه ضربة قوية لأوروبا خصوصاً، بل قلص أيضاً توافر النفط الخام، ما أعاق عمليات التكرير.
مع ذلك، لا شىء يدفع جميع المصافى إلى ما تسميه الصناعة وضع «الحد الأقصى للإنتاج» مثل الهوامش القياسية لتكرير وقود الطائرات.
وبالطبع، فإن «الحد الأقصى» يبقى نسبياً؛ إذ تستطيع المصافى تعديل عملياتها هنا وهناك، لكنها لا تتمكن عادةً من زيادة إنتاج وقود الطائرات بأكثر من بضع نقاط مئوية، قبل بلوغ الحدود المسموح بها هندسياً.
لكن حتى ذلك قد يكون كافياً.
خذ الولايات المتحدة مثالاً. قبل الحرب، كان وقود الطائرات يشكل 10.5% من إنتاج مصافى البلاد، أما الآن فقد ارتفعت النسبة إلى مستوى قياسى بلغ 12.7%.
ومن حيث الحجم، فهذا يعنى أن المصافى الأمريكية تنتج حالياً 250 ألف برميل إضافية يومياً مقارنةً بما كانت تنتجه قبل عام.
السوق فى طريقه للتوازن
«نعتقد أن سوق وقود الطائرات يسير بخطى ثابتة نحو استعادة التوازن»، بحسب فيكاس ديويدى، محلل النفط لدى شركة «ماكوارى بنك» فى هيوستن، وهى شركة كبرى فى تداول السلع الأولية.
بالطبع، يأتى إنتاج وقود الطائرات الإضافى على حساب منتجات مكررة أخرى. وبالتالي، فإن حل مشكلة وقود الطيران قد يخلق أزمة فى الديزل، أو حتى البنزين.
ومع ذلك، إذا تمكن نصف قطاع التكرير العالمى من زيادة إنتاج وقود الطائرات بالمقدار نفسه الذى حققته المصافى الأمريكية بالفعل، فإن الإنتاج الإضافى سيعوّض ويزيد على حجم الإمدادات المفقودة من الشرق الأوسط.
لكن الوضع لا يزال هشاً فى الوقت الحالى، وأوروبا فى أمسّ الحاجة إلى إمدادات جديدة، وبينما تصل ناقلات الوقود جديدة، تستنزف القارة مخزونها المحدود.
وقد هبطت مخزونات وقود الطائرات فى مركز النفط الرئيسى أمستردام ـ روتردام ـ أنتويرب إلى أدنى مستوى فى ست سنوات.
وفى غضون ذلك، خففت السلطات الأوروبية قواعد وقود الطيران، وسمحت ببيع النوع المنتج فى الولايات المتحدة.
فى أبريل، عملت أوروبا على استبدال نحو 70% من وقود الطائرات الذى كانت تشتريه سابقاً من الشرق الأوسط بإمدادات إضافية من الولايات المتحدة، ونيجيريا، حيث تنتج مصفاة جديدة كميات قياسية من هذا الوقود.وبحسب وكالة الطاقة الدولية، ينبغى رفع هذه النسبة إلى ما بين 80% و90% بحلول يونيو لتجنب مشكلات الإمدادات.
وقد تضطر أوروبا إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية من المنتجات المكررة لسد أى فجوات متبقية.
الطلب على السفر يتراجع
كما تراجع الطلب أيضاً. ويعكس هذا الانخفاض جزئياً تأثير الحرب على الشرق الأوسط نفسه، حيث تضررت مطارات رئيسية مثل دبى، والدوحة، كما يعكس حقيقة أن الأسعار المرتفعة دفعت شركات الطيران إلى إلغاء الخطوط غير المجدية اقتصادياً.
ومن الناحية الموسمية، ينخفض عدد الرحلات التجارية حالياً بنحو 0.5% مقارنةً بالعام الماضى.
وقبل الحرب، كانت أعداد الرحلات مرتفعة بنسبة 2% على أساس سنوى، وفقاً لبيانات «فلايت رادار 24».
إذا سارت الأمور على ما يرام، فإن قطاع التكرير العالمى قادر على حل مشكلة وقود الطائرات، خصوصاً إذا تراجع الطلب قليلاً استجابةً لارتفاع أسعار التذاكر.
لكن الأمور نادراً ما تسير بسلاسة عندما يتعلق الأمر بتكرير النفط تحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة. إذ يمكن للحرائق، والانقطاعات، والعقبات الأخرى، أن تقلص الإمدادات بسرعة.
ويبقى الحل النهائى فى إعادة فتح مضيق هرمز. وحتى ذلك الحين، سأراقب السوق بقلق، خشية استقبال سيل من رسائل «واتساب» إذا علق أى صديق أو قريب فى أحد المطارات.
ولحسن الحظ، يبدو أن جميع من أعرفهم سيسافرون إما فى يوليو وإما فى أغسطس. لكننى سأكون أكثر قلقاً بشأن الرحلات فى سبتمبر وما بعده.








