حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، اليوم، من أن استمرار الصراع الإيراني حتى عام 2027 قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة ركود، في ظل تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة وتزايد حالة عدم اليقين في التجارة والاستثمار.
وفي أحدث تقرير لها عن التوقعات الاقتصادية، طرحت المنظمة، التي تتخذ من باريس مقرًا لها وتضم الدول الصناعية الكبرى، سيناريو “اضطرابًا مطولًا”، حيث لا يتم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حتى عام 2027.
وتتوقع المنظمة أن يؤدي هذا السيناريو إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.1% هذا العام، مقارنةً بـ 3.4% في عام 2025، “مما يدفع بعض الاقتصادات إلى الركود أو ما يقاربه”، مع تضرر الاقتصادات الناشئة بشدة.
وسيؤدي نقص النفط والغاز إلى “تقنين إجباري” للطاقة للشركات، بينما “سترتفع أسعار الأسمدة وغيرها من المدخلات المتأثرة في العمليات الصناعية، مثل الكبريت والهيليوم، نتيجةً لانخفاض الإمدادات”.
وسيُسبب ذلك مشكلات جمة لصناع السياسات، الذين قد يواجهون ركودًا اقتصاديًا إذا رفعوا أسعار الفائدة بسرعة كبيرة لمواجهة مخاطر التضخم المتزايد مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
ويشير التحليل إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي الأمريكية طويلة الأمد قد تكون مُعرضة للخطر أيضًا حيث أن الصدمات الكبيرة في أسعار الطاقة أو نقصها، المرتبطة بسيناريو الاضطراب المطول، ستزيد من تكاليف تشغيل مراكز البيانات وتُقيد إمدادات الأجهزة الحيوية المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويضيف التقرير أن هذا قد “يُقلل من القدرة والحافز للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى تباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي في تلك الاقتصادات التي تستفيد حاليًا من الاستثمارات والإنتاج المرتبطين بالذكاء الاصطناعي”.
وقد ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا وتكرارًا في الأسابيع الأخيرة إلى قرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، مما ساهم في تهدئة أسواق النفط، لكن لم يتحقق شيء حتى الآن. وقد عُلّقت المحادثات حاليًا، حيث ترفض إيران المشاركة فيها، بينما تواصل إسرائيل هجماتها على حزب الله في لبنان.
ويُؤدي الحصار المفروض على مضيق هرمز الحيوي إلى تضييق الخناق على إمدادات النفط العالمية لأكثر من ثلاثة أشهر، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار ودفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات طارئة.
وفي مقدمة تقريرها نصف السنوي، وصف كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ستيفانو سكاربيتا، الصراع الإيراني بأنه “القوة المهيمنة التي تُشكل التوقعات الاقتصادية العالمية”.
وفي سيناريو “الاضطراب المطوّل”، قال: “ستكون العواقب عالمية، لكنها قد تكون وخيمة بشكل خاص على الاقتصادات النامية ذات الاحتياطيات المحدودة من الطاقة، وارتفاع نسبة استهلاك الطاقة والغذاء في الأسر، والقدرة المالية المحدودة، وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، وانخفاض مدخرات الأفراد، وهشاشة العملات”.
كما تُقدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سيناريو بديلاً أقل كارثية، حيث يسمح التقدم نحو اتفاق سلام دائم بانخفاض أسعار النفط خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
ويتوقع اقتصاديو المنظمة استمرار “بعض النقص المحدود في الطاقة في بعض الاقتصادات، وخاصة في آسيا”، لكن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيبلغ 2.8%، وهو انخفاض عن العام الماضي، ولكنه أقوى بكثير من سيناريو “الاضطراب المطوّل”. ومن المتوقع أن يرتفع إلى 3.1% العام المقبل.
وفي كلا السيناريوهين، من المرجح أن ترتفع تكلفة الاقتراض للشركات نتيجة لتراجع الثقة، وفقًا لما تخشى منه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتشير المنظمة إلى أن إجمالي ديون الشركات في اقتصادات مجموعة العشرين بلغ 90 تريليون دولار (66 تريليون جنيه إسترليني) بحلول الربع الثالث من عام 2025، مع استحقاق ربع هذا الدين خلال السنوات الثلاث المقبلة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة.
ويشير التقرير أيضًا إلى المخاوف بشأن مخاطر قطاع الائتمان الخاص غير الشفاف، الذي صار ممولًا متزايد الأهمية للشركات منذ الأزمة المالية عام 2008.
ويوضح التقرير أن ترابط الائتمان الخاص مع قطاعات أخرى من القطاع المالي قد يخلق “مخاطر انتقالية سلبية” في حال حدوث تصحيح اقتصادي.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حدة تأثير هذه الصدمة النفطية الأخيرة، التي بدأت بسبب الصراع الإيراني، تُبرز أهمية فطام الاقتصاد العالمي عن الوقود الأحفوري وتنويع مصادر الطاقة.
ويقول التقرير: “على المدى الطويل، يعد تقليل الاعتماد على المصادر الأجنبية للوقود الأحفوري وتحسين كفاءة الطاقة في الاقتصاد المحلي من الأولويات الرئيسية، وتزداد هذه الأولويات إلحاحاً كلما طال أمد الاضطراب الحالي في أسواق الطاقة العالمية”.







