رغم الخطوات المتسارعة التي اتخذتها الجهات التنظيمية خلال السنوات الأخيرة لتطوير سوق المال المصرية، ما زالت صناديق التحوط غائبة عن المشهد الاستثماري المحلي، في وقت أصبحت فيه تلك الصناديق إحدى الركائز الأساسية للأسواق المالية المتقدمة، لما توفره من أدوات لإدارة المخاطر وتحقيق العوائد في مختلف الظروف السوقية.
وقال خبراء سوق المال إن غياب صناديق التحوط لا يرتبط بنقص التشريعات بقدر ما يعكس عدم اكتمال البيئة التشغيلية اللازمة لعملها، وفي مقدمتها محدودية السيولة وضعف نشاط سوق المشتقات وعدم تفعيل آليات البيع على المكشوف بالصورة الكافية، إلى جانب الحاجة لتوسيع قاعدة الأوراق المالية المتاحة أمام المستثمرين.
وتُعد صناديق التحوط من أكثر الأدوات الاستثمارية تطورًا وتعقيدًا، إذ تعتمد على استراتيجيات متنوعة تشمل البيع على المكشوف والمشتقات المالية والرافعة المالية والمراجحات السعرية، بهدف تحقيق عوائد إيجابية سواء في اتجاهات الصعود أو الهبوط، وهو ما يميزها عن الصناديق التقليدية التي ترتبط نتائجها غالبًا بأداء الأسواق.
حمدي: ضعف السيولة يحد من انتشار صناديق التحوط
قال هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، إن التعديلات التي شهدتها اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال مثلت خطوة مهمة نحو تنويع الأدوات الاستثمارية وتعزيز تنافسية السوق، إلا أن تطبيق صناديق التحوط ما زال يواجه تحديات تتعلق بالبنية السوقية ودرجة تطور الأدوات المالية.
وأوضح أن صناديق التحوط تعتمد في الأساس على وجود سوق تتمتع بعمق وسيولة مرتفعة تسمح بتنفيذ استراتيجيات استثمارية معقدة، إضافة إلى توافر أدوات مثل العقود الآجلة والخيارات والبيع على المكشوف، وهي أدوات لا تزال في مرحلة البناء والتوسع داخل السوق المصرية.
وأضاف أن محدودية السيولة الحالية تمثل التحدي الأبرز أمام ظهور هذه الصناديق، لأن العديد من استراتيجياتها يعتمد على سرعة تنفيذ العمليات والقدرة على الدخول والخروج من المراكز الاستثمارية دون التأثير على الأسعار.
وأشار إلى أن السوق تحتاج كذلك إلى رفع مستويات الوعي الاستثماري بطبيعة صناديق التحوط وآليات عملها، باعتبارها منتجات استثمارية أكثر تعقيدًا من الصناديق التقليدية وتتطلب خبرات متخصصة لدى المستثمرين ومديري الأصول.
وذكر حمدي أن نجاح التجارب الأولى للمشتقات المالية، بالتوازي مع استمرار برنامج الطروحات الحكومية وزيادة عدد الشركات المقيدة، سيسهم في تهيئة البيئة اللازمة لاستقبال هذا النوع من الصناديق خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن نمو صناعة صناديق التحوط يتطلب توافر ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في سوق عميق، وأدوات مالية متطورة، ومديرين محترفين قادرين على إدارة الاستراتيجيات الاستثمارية المعقدة، إلى جانب استقرار اقتصادي يسمح ببناء مراكز استثمارية طويلة الأجل.
وفي أبريل من عام 2024، قدمت الهيئة العامة للرقابة المالية المصرية إلى مجلس الوزراء تعديلات مقترحة على اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال، بإضافة قواعد تأسيس صناديق التحوط “Hedge Funds”، بهدف تنويع الأدوات الاستثمارية المتاحة وزيادة تنافسية وجاذبية السوق المصري.
المصري: نجاح هذه الصناديق مرهون بزيادة أحجام التداول
من جانبه، قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن ظهور صناديق التحوط لا يرتبط بجدول زمني محدد، وإنما بمدى نجاح السوق في بناء قاعدة سيولة قوية تستطيع استيعاب هذا النوع من المنتجات.
وأضاف أن سوق المشتقات المصرية ما زالت في مراحلها الأولى من حيث أحجام التداول والسيولة، ما يجعل تأسيس صناديق تحوط متخصصة خطوة سابقة لأوانها في الوقت الحالي.
وأوضح أن هذه الصناديق تحتاج إلى أسواق عالية السيولة تتيح تنفيذ استراتيجياتها بكفاءة، بينما يحد ضعف التداولات الحالية من قدرتها على تحقيق أهدافها الاستثمارية.
وأشار إلى أن البديل الأقرب حاليًا يتمثل في السماح لبعض الصناديق الاستثمارية القائمة بتخصيص جزء من أصولها لأدوات التحوط والمشتقات بعد الحصول على موافقات المستثمرين والجهات الرقابية.
وأضاف أن أهمية صناديق التحوط لا ترتبط فقط بجذب المستثمرين، وإنما تنعكس أيضًا على تصنيف السوق المصرية لدى المؤشرات الدولية التي تضع تنوع الأدوات الاستثمارية ضمن معايير تقييم الأسواق الناشئة.
أوضح أحمد مرشد، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة المورش للاستثمارات، أن السوق المصرية أصبحت أقرب من أي وقت مضى لاستقبال صناديق التحوط، مستندًا إلى التحسن الملحوظ في مستويات السيولة خلال الفترة الأخيرة، سواء من جانب المستثمرين الأفراد أو المؤسسات، رغم استمرار الحاجة إلى تعميق السيولة على المدى الطويل.
وأوضح أن المراحل الأولى لإطلاق هذه الصناديق ستستهدف المستثمرين المؤهلين من المؤسسات والأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة، باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على التعامل مع طبيعة هذه الأدوات الاستثمارية ومتطلبات المخاطر المرتبطة بها.
وأشار إلى تزايد اهتمام المستثمرين المؤسسيين بصناديق التحوط منذ عام 2023، خاصة المؤسسات متعددة الجنسيات وكبار المستثمرين، مؤكداً أن شركات إدارة الأصول المحلية تمتلك الخبرات الفنية والبنية التحتية اللازمة لإدارة هذا النوع من الصناديق وتقديم استراتيجيات استثمار أكثر تطوراً.
وأضاف أن البيئة التشريعية المنظمة لصناديق التحوط باتت شبه مكتملة، فيما تتركز الأولوية حالياً على توسيع نطاق سوق المشتقات المالية وتفعيل أدواته بصورة أكبر، إلى جانب توفير إطار ضريبي واضح ومحفز يسهم في جذب مديري الأصول والمستثمرين نحو هذه المنتجات.
وتوقع مرشد أن يشهد السوق المصري إطلاق أول صندوق تحوط خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وربما قبل ذلك، مدعوماً بالتطورات التنظيمية المتسارعة والاهتمام المتنامي من جانب المؤسسات الاستثمارية.
نقص الأدوات يعرقل الصناعة
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن السبب الرئيسي وراء غياب صناديق التحوط يتمثل في عدم اكتمال منظومة الأدوات الاستثمارية اللازمة لعملها.
وأوضحت أن هذه الصناديق تعتمد على أدوات تتيح للمستثمرين الاستفادة من تقلبات الأسواق في الاتجاهين الصاعد والهابط، وهو ما يتطلب تفعيلًا واسعًا للبيع على المكشوف والعقود الآجلة والمشتقات المالية.
حامد: المشتقات الحالية غير كافية لبناء استراتيجيات متكاملة
وأضافت أن بدء تداول المشتقات على عدد محدود من الأسهم لا يكفي لتأسيس صناعة متكاملة لصناديق التحوط، إذ تحتاج هذه الصناديق إلى قاعدة أوسع من الأسهم والأدوات الاستثمارية تسمح ببناء استراتيجيات متنوعة عبر مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأشارت إلى أن السوق المصرية تطبق حاليًا أشكالًا تقليدية من التحوط عبر تنويع المحافظ الاستثمارية، إلا أن ذلك يختلف جذريًا عن مفهوم صناديق التحوط المتعارف عليه عالميًا.
التشريعات ليست المشكلة
وقال إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال، إن غياب صناديق التحوط لا يعود إلى نقص التشريعات أو القواعد التنظيمية، بل إلى عدم اكتمال البنية التنفيذية للأدوات المطلوبة.
وأوضح أن البيع على المكشوف متاح من الناحية التنظيمية، لكنه لا يعمل بالكفاءة المطلوبة نتيجة محدودية نشاط إقراض واقتراض الأسهم، ما يحرم مديري الأصول من إحدى أهم أدوات إدارة المخاطر.
وأضاف أن سوق المشتقات والعقود الآجلة ما زالت تعاني من ضعف السيولة، وهو ما يقلل من قدرتها على أداء دورها في دعم استراتيجيات التحوط.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل عاملًا إضافيًا يؤخر نمو هذا النشاط، إذ تفضل المؤسسات الاستثمارية توجيه أموالها نحو أدوات الدخل الثابت مرتفعة العائد ومنخفضة المخاطر، بدلاً من المنتجات الاستثمارية الأكثر تعقيدًا.
رشاد: عدم اكتمال البنية التنفيذية أكبر التحديات
وأكد أن السوق لا تحتاج إلى تشريعات جديدة بقدر حاجتها إلى تفعيل الأدوات القائمة وزيادة كفاءتها التشغيلية.
وتختلف استراتيجية الاستثمار لصناديق التحوط وفق الأرباح التي تسعى لتحقيقها، لكنها في الغالب تكون مرتفعة المخاطر بهدف تحقيق عوائد كبيرة، ويكون الاستثمار بتلك الصناديق مشروط بحد أدنى من الثروة أو الدخل السنوي.
بناء الطلب أولًا
وقال أيمن أبو هند، الرئيس الاستثماري لشركة سيجنيفيكا للاستثمار، إن البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية تعملان بالفعل على تهيئة البيئة المناسبة لتطوير الأدوات المالية الجديدة.
وأوضح أن انتشار صناديق التحوط لن يحدث بصورة فورية بمجرد إطلاق الأدوات المرتبطة بها، بل يحتاج إلى فترة زمنية يتشكل خلالها الطلب من المؤسسات ومديري الأصول على استخدام تلك الأدوات ضمن استراتيجياتهم الاستثمارية.
وأضاف أن نجاح هذه الصناعة لا يرتبط بأداة واحدة بعينها، وإنما بقدرة السوق على توفير حزمة متكاملة من الأدوات المالية التي تمنح المستثمرين خيارات متعددة لإدارة المخاطر.
عمق السوق عامل حاسم
من جانبه، قال عبدالرحمن الشامي، رئيس قسم البحوث بشركة أسطول لتداول الأوراق المالية، إن الخطوات التشريعية والتوعوية الأخيرة تمثل تمهيدًا مهمًا لإطلاق صناعة صناديق التحوط، لكن نجاحها يرتبط بصورة أساسية بتفعيل سوق المشتقات وآليات البيع على المكشوف.
وأوضح أن هذه الأدوات تمثل العمود الفقري لصناديق التحوط، لأنها تمنح مديري الأصول القدرة على تحقيق العوائد في مختلف الاتجاهات السوقية.
وأضاف أن نجاح الصناعة لا يعتمد فقط على التشريعات، بل يرتبط كذلك بخصائص السوق نفسها، وفي مقدمتها عمق التداولات واتساع قاعدة الشركات المقيدة والتنوع القطاعي.
وأشار إلى أن زيادة عدد الشركات المدرجة وتشجيع القطاع الخاص على القيد في البورصة، إلى جانب تسريع برنامج الطروحات الحكومية، سيؤدي إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة لعمل صناديق التحوط.







