أطلق الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي برنامجاً إصلاحياً يستلهم أفكار خبير اقتصاد السوق الحرة فريدريش هايك، ويضع تطوير احتياطيات الطاقة الهائلة في الأرجنتين في صميم أولوياته.
ويعول ميلي وأنصاره على هذا المسار لقلب اتجاه ما يقرب من قرن من التراجع الاقتصادي.
غير أن تحويل ثروة الموارد الطبيعية إلى ازدهار مستدام، وإن كان ممكناً، يظل مهمة شاقة، كما تؤكد تجارب دول عديدة وقعت في فخ ما يُعرف باسم “لعنة الموارد”.
تحتضن الأرجنتين منطقة “فاكا مويرتا”، التي تضم ثاني أكبر احتياطيات الغاز الصخري في العالم ورابع أكبر احتياطيات النفط الصخري.
كما تقع، إلى جانب بوليفيا وتشيلي، ضمن نطاق “مثلث الليثيوم”، الذي يحتوي على نحو 60% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من هذا المعدن الحيوي، المستخدم في البطاريات اللازمة لتشغيل السيارات الكهربائية، وتوسيع قدرات تخزين الكهرباء على نطاق الشبكات، إلى جانب استخدامات أخرى.
ولا تخضع هذه الموارد لسيطرة الحكومة الاتحادية، بل تعود ملكيتها إلى المقاطعات التي تقع داخل أراضيها، بموجب تعديل دستوري أُقر عام 1994.
الدستور يمنح المقاطعات حق إدارة الموارد وتحصيل إتاوات النفط والغاز والليثيوم محليًا
كما ينص الدستور، المستلهم إلى حد كبير من النموذج الأمريكي، على أن أي صلاحية لا تُمنح صراحة للحكومة الاتحادية تظل من اختصاص حكومات المقاطعات.
وبموجب ذلك، يحق لهذه الحكومات تحصيل إتاوات عن استخراج النفط والغاز والليثيوم وغيرها من الموارد الموجودة في أراضيها.
بدأت الإيرادات المتولدة من هذه الموارد تتخذ حجماً متزايداً. فتحصل مقاطعة نيوكوين، التي تضم الجزء الأكبر من منطقة فاكا مويرتا، حالياً على نحو 350 مليون دولار شهرياً من الإتاوات.
وتتوقع سلطات المقاطعة ارتفاع هذا الرقم إلى 500 مليون دولار مع اكتمال تطوير البنية التحتية اللازمة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في الأرجنتين، وهو ما قد يتحقق بحلول عام 2031.
ويعادل ذلك نحو 6 مليارات دولار سنوياً لمقاطعة لا يتجاوز عدد سكانها بقليل 700 ألف نسمة، بحسب موقع “بروجكت سنديكيت”.
الأرجنتين تواجه اختبار تحويل طفرة الموارد إلى ازدهار دائم بعيدًا عن لعنة الثروات الطبيعية مستقبلًا
على المنوال نفسه، تتوقع مقاطعة كاتاماركا، التي تضم بعض أكبر رواسب الليثيوم في الأرجنتين ولا يزيد عدد سكانها على 430 ألف نسمة، أن تبلغ إيرادات الإتاوات نحو 350 مليون دولار سنوياً بحلول عام 2031.
لكي تتحول هذه العوائد الاستثنائية إلى ازدهار طويل الأمد، يتعين على المقاطعات الأرجنتينية الاستفادة من تجارب ألاسكا وتشيلي والنرويج، التي أنشأت جميعها صناديق ثروة سيادية لإدارة إيراداتها المتأتية من الموارد الطبيعية.
وتقدم ألاسكا نموذجاً بالغ الدلالة.
فعندما أصبحت الولاية الأمريكية التاسعة والأربعين عام 1959، لم يكن حجم ثروتها النفطية قد اتضح بعد.
لكن اكتشاف النفط في خليج برودهو عام 1968 غير أوضاعها المالية في وقت قصير، بعدما حققت مبيعات حقوق التأجير مئات الملايين من الدولارات.
غير أن سرعة إنفاق هذه الإيرادات أثارت مخاوف جدية من تبديد الثروة الجديدة.
جاءت الاستجابة من خلال إنشاء “صندوق ألاسكا الدائم”.
فقد تأسس الصندوق بموجب تعديل لدستور الولاية عام 1976، بهدف حماية جانب كبير من إيرادات النفط من ضغوط الإنفاق اليومي للموازنة.
ويلزم قانون ألاسكا بإيداع 50% من إتاوات المعادن في الصندوق، كما يحظر المساس بأصل أمواله من دون موافقة مباشرة من الناخبين.
ومنذ إيداع أول دفعة مخصصة عام 1977، نمت أصول الصندوق لتقترب من 90 مليار دولار.
أما تجربة النرويج، فتستحق بدورها إعادة التأمل.
فعلى الرغم من أن صندوقها السيادي يُقدم غالباً بوصفه نموذجاً مثالياً للتخطيط المحكم، فإن الطريق إليه لم يكن بهذه البساطة.
ففي العقود التي أعقبت اكتشاف أحد أكبر حقول النفط البحرية في العالم قبالة السواحل النرويجية عام 1969، واجهت البلاد سلسلة من التحديات المؤسسية والسياسية التي ترافق عادة طفرات الموارد.
النرويج تستثمر أموال صندوقها السيادي خارج البلاد وتخضع الإنفاق لرقابة برلمانية صارمة
في عام 1990، أنشأت النرويج صندوق ثروتها السيادي لحماية إيرادات النفط من الضغوط السياسية قصيرة الأجل، وتحصين الاقتصاد من تقلبات الأسعار، وضمان استفادة الأجيال المقبلة من الثروة النفطية.
ونُص على توجيه عائدات النفط مباشرة إلى الصندوق، مع استثمار أمواله بالكامل خارج البلاد، إلى جانب إخضاع الإنفاق لرقابة برلمانية صارمة.
واليوم، وبعد 30 عاماً من أول إيداع، أصبح الصندوق النرويجي الأكبر من نوعه في العالم، بأصول تقدر بنحو 2.2 تريليون دولار.
خاضت تشيلي، وهي من أكبر منتجي النحاس في العالم، تجربة مشابهة مع تقلب إيرادات السلع الأساسية.
ففي عام 1987، أنشأت “صندوق تثبيت النحاس” ليعمل كاحتياطي وقائي، يجمع الأموال في فترات ارتفاع الأسعار ويستخدمها لسد الفجوات عند تراجعها.
وبعد عشرين عاماً، استُبدل به “صندوق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”، ليصبح صندوق ثروة سيادياً شاملاً بدلاً من آلية تقتصر على سلعة واحدة.
وتعكس هذه التجارب جميعاً التزاماً واضحاً بتحويل عائدات الموارد الحالية إلى أصول مالية مستدامة.
فقد أدركت ألاسكا والنرويج وتشيلي مخاطر “المرض الهولندي”، الذي يدفع طفرات السلع الأساسية إلى رفع سعر صرف العملة، وإضعاف القدرة التنافسية، ثم ترك الاقتصاد في نهاية المطاف أكثر هشاشة وفقراً.
ومن ثم، يجدر بالأرجنتين أن تتعلم من نجاحات هذه الدول، لا أن تعيد إنتاج أخطائها السابقة.
وفي قصته القصيرة “حديقة المسارات المتشعبة” الصادرة عام 1941، تخيل خورخي لويس بورخيس حديقة تتجاور فيها احتمالات مستقبلية لا حصر لها، ويقود كل اختيار إلى مسار مختلف.
واليوم تقف حكومات المقاطعات الأرجنتينية أمام مفترق مماثل: إما توظيف ثروتها الحالية من الموارد في تعزيز المؤسسات وبناء ازدهار دائم، أو تبديد هذه العوائد الاستثنائية.
وكما في حديقة بورخيس، فإن اختيار الطريق ليس قراراً عابراً، لأن العودة عنه قد تكون شديدة الصعوبة، إن كانت ممكنة أصلاً.








