يشهد قطاع الملاحة البحرية فى مصر، تحولاً حاداً وغير مسبوق، خلال الربع الثالث من 2026؛ إذ أصبحت سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية أمام واقع معقد وخارج عن السيطرة.
فبينما فرضت الاضطرابات الجيوسياسية الحادة فى منطقة الخليج العربى ومحيط مضيقى هرمز وباب المندب، حصاراً ملاحياً غير مباشر، قفزت تكاليف شحن وتفريغ الحاويات فى ميناء العين السخنة إلى مستويات تاريخية، لتسجل زيادات قياسية تخطت حاجز 306%، وليتصدر الميناء قائمة الوجهات الأعلى كلفة فى المسارات الدولية.
وبحسب تقرير لغرفة ملاحة الإسكندرية، فقد وصل متوسط سعر «النولون» البحرى للحاويات الواردة من جنوب شرق آسيا، وتشمل دول الصين، واليابان، وكوريا، المتجهة إلى ميناء الإسكندرية، إلى 6200 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 2800 دولار الربع الثالث 2025.
أما الحاويات الواردة من الدول نفسها إلى ميناءى دمياط وبورسعيد فتصل إلى 6100 دولار، مقابل 2800 دولار الربع الثالث 2025، بزيادة 120%، وإلى ميناء السخنة 5300 دولار، بعد أن كانت 2100 دولار.

وارتفعت تكلفة الحاويات الواردة من دول شمال أفريقيا، خاصة من موانئ تونس والجزائر والمغرب وليبيا، إلى ميناء الإسكندرية، لتسجل 800 دولار، وإلى ميناءى دمياط وبورسعيد 800 دولار، مقابل 700 دولار العام الماضى بنسبة تغير سجلت 14%. أما الواردة إلى ميناء السخنة، فقفزت إلى 2200 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 700 دولار العام الماضى.
وبالنسبة لموانئ البحر الأحمر، والتى تضم موانئ غرب السعودية، واليمن، والسودان، يبلغ سعر نقل الحاوية إلى ميناء الإسكندرية 2600 دولار، بدلاً من 800 دولار العام الماضى، وإلى ميناءى بورسعيد ودمياط 2800 دولار للحاوية 20 قدماً، مقابل 800 دولار العام الماضى، أما لميناء السخنة فقفزت التكلفة إلى 2250 دولاراً، بدلاً من 750 دولاراً.
وبالنسبة لنقل الحاويات من منطقة شرق البحر المتوسط، والبحر الأسود، ومنها تركيا وإسرائيل ولبنان وسوريا ورومانيا إلى ميناء الإسكندرية، تراجعت التكلفة إلى 500 دولار، بدلاً من 800 دولار العام الماضى، وإلى ميناءى بورسعيد ودمياط 900 دولار، مقابل 800 دولاراً للحاوية العام الماضى، وارتفعت التكلفة إلى ميناء السخنة 1990 دولاراً بدلاً من 490 دولاراً العام الماضى.
وبالنسبة للحاويات الواردة من منطقة أمريكا الشمالية، وتشمل موانئ الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، فشهد تكلفة نقل الحاوية لميناء الإسكندرية ثباتاً فى التكلفة عند 1600 دولار للحاوية 20 قدماً، دون تغيير عن العام الماضى، وإلى ميناءى دمياط وبورسعيد تراجعت التكلفة من 800 دولار، مقابل 1600 دولار العام الماضى، ولميناء السخنة وصل سعر النولون 3040 دولاراً للحاوية 20 قدماً مقابل 1540 دولاراً العام الماضى.
«الشيخ»: القرب الجغرافى من مناطق النزاع ضاعف بنود المخاطر فى فواتير الشحن
من جانبه، قال أيمن الشيخ، رئيس شعبة النقل الدولى والخدمات اللوجستية بالقاهرة، إن أسعار الشحن البحرى للحاويات سجلت قفزات كبيرة وغير مسبوقة لجميع المقاصد العالمية، لا سيما المتجهة إلى ميناء العين السخنة، والتى باتت أعلى تكلفة تشغيل.
وأرجع هذا الارتفاع الحاد، إلى الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الراهنة، إذ يقع الميناء فى النطاق الجغرافى الأكثر تأثراً ببؤر الصراع فى الخليج العربى ومحيط مضيقى هرمز وباب المندب، ما دفع نوالين الشحن للقفز بمستويات كبيرة.
وأشار «الشيخ»، إلى أن القرب الجغرافى من مناطق النزاع ضاعف من بنود «مخاطر الحروب» فى فواتير الشحن الموجهة لميناء السخنة على البحر الأحمر؛ إذ تظهر هذه الأعباء بشكل أقل حدة فى الموانئ المصرية الواقعة على البحر المتوسط مثل الإسكندرية ودمياط.
ولفت إلى أن بعض الخطوط الملاحية الكبرى مثل MSC وCMA CGM، فرضت رسوماً مالية باهظة لتغطية الارتفاع الحاد فى اشتراطات وتكاليف التأمين ضد المخاطر فى منطقة البحر الأحمر لتغطية تكاليف التشغيل لارتفاع نسبة المخاطر.
أضاف أن ارتفاع أسعار نوالين الشحن من موانئ جنوب شرق آسيا للموانئ المصرية يعود بشكل أساسى إلى أزمة الملاحة فى البحر الأحمر وباب المندب المستمرة منذ أواخر 2023 وتفاقمت لاحقاً، والتى أجبرت السفن القادمة من آسيا والمتوجهة للموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط (الإسكندرية ودمياط) على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، موضحا أن المسار الجديد حول أفريقيا أسهم فى رفع تكلفة الوقود والتأمين.
أما ميناء السخنة المطل على «البحر الأحمر»، فرغم أنه أقرب لآسيا فإن إحجام خطوط شحن كبرى عن دخول البحر الأحمر أو فرض رسوم مخاطر إضافية ضخمة رفع التكلفة هناك بنسبة هى الأعلى وصلت 152%.
«صالح»: الخطوط الملاحية رفعت تكاليف التشغيل لامتصاص الزيادة فى أسعار الوقود
وقال عصام صالح، رئيس مستخلصى جمارك السويس بميناء السخنة، إن ثمة توقعات بزيادة جديدة فى أسعار نوالين الشحن عقب استئناف الاشتباكات بين الجانب الأمريكى والإيرانى، مؤكداً أن الخطوط الملاحية رفعت تكاليف التشغيل بمقدار نسبة الزيادة فى الوقود الذى يمثل 70% من تكاليف التشغيل.
وأضاف أنه بعد عودة الحصار الملاحى فى مضيق هرمز واضطراب الأوضاع فى باب المندب، كان للحكومة المصرية السبق فى إعادة خريطة الشحن البحرى من خلال التعاون مع كبار المشغلين الدوليين مثل «كوسكو» و«هاتشيسون» لتشغيل محطات الحاويات الجديدة فى السخنة.
وأوضح أن الميناء فى الوقت الحالى، تحول إلى مركز محورى لتجارة الترانزيت وربط المسارات الملاحية برياً بالموانئ السعودية ودول الخليج.. وهذا التحول المفاجئ أحدث طفرة قياسية فى الطلب تفوق قدراته الاستيعابية السابقة، ما يفسر القفزة الكبيرة فى الأسعار نتيجة عدم التوازن بين العرض المتاح وحجم الطلب المتزايد.
أكد «صالح»، أن الأوضاع السياسية الحالية، لها مستجدات يومية ويجب استغلال هذه الأزمة من خلال الاهتمام بتنمية تجارة الترانزيت، لأنها تسهم فى توفير سيولة من العملة الصعبة بما يمكن أن يعزز احتياطى النقد الأجنبى للاقتصاد المصرى.
وعزا ارتفاع أسعار نوالين الشحن من موانئ البحر الأحمر للموانئ المصرية، إلى أن هذه هى المنطقة الأكثر تأثراً بالاضطرابات الجيوسياسية المباشرة بالموانئ فى اليمن والسودان وحتى أجزاء من السعودية متأثرة مباشرة بالتوترات العسكرية والأمنية فى ممرات الشحن.
وأوضح أن النقص الحاد فى عدد الرحلات المنتظمة التى تربط هذه الموانئ الخليجية بالموانئ المصرية والارتفاع الجنونى فى أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، جعلا شحن أى حاوية من هذه المناطق يكلف ما بين 3 و3.5 ضعف السعر السابق حتى قفز سعر الحاوية إلى ميناء الاسكندرية بنسبة 225%.
«فتحى»: استئناف العمليات العسكرية بالخليج سيدفع نحو زيادات 400% الربع الأخير
وقال إيهاب فتحى، ممثل الخط الملاحى السويسرى «إم إس سى »، إن خطوط الشحن العالمية تواجه حالة شلل شبه تام وتجنب كامل للمرور عبر مضيق هرمز نتيجة انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، واستئناف الحرب الأمريكية الشاملة والحصار البحرى على إيران.
أضاف أن استئناف العمليات العسكرية، سيدفع أسعار نوالين الشحن لزيادات قد تصل إلى 400% خلال الربع الأخير من 2026 بعد إغلاق مضيق هرمز أمام ما يمثل 90% من السفن التجارية، والذى يعد أكبر مصدر للإمدادات البترولية عالمياً، ما تسبب فى حدوث أزمة طاقة كبرى، وتعطل حركة الملاحة، والتأثير على سلاسل الإمداد لمنطقة الشرق الأوسط.
وأوضح «فتحى»، أن الشركة فرضت رسوماً إضافية طارئة على الوقود المار بالعديد من الطرق التجارية، دخلت حيز التنفيذ أبريل الماضي، مؤكداً أن هذا القرار يعكس ارتفاع تكاليف الوقود والاضطرابات المستمرة فى السوق العالمية للشحن البحرى.
وتطبيق هذه الرسوم، يتم على الشحنات من أوروبا المتجهة إلى جزر المحيط الهندى وفيجى باستثناء ريونيون ومايوت وكاليدونيا الجديدة وتاهيتى بواقع 240 يورو أو 275 دولاراً لكل حاوية نمطية جافة، و285 يورو أو 330 دولاراً لكل حاوية نمطية مبردة.
كما تم تطبيق رسوم على الشحنات المتجهة من جزر المحيط الهندى إلى أوروبا وشرق المتوسط، مثل اليونان وتركيا ومنطقة البحر الأسود وشمال أفريقيا، بواقع 120 يورو أو 140 دولاراً لكل حاوية نمطية جافة، و145 ـ 165 دولاراً أو يورو للحاويات المبردة.
أكد «فتحى»، أن الزيادة الطفيفة فى أسعار نوالين الشحن على الرحلات القادمة من دول شمال أفريقيا، سببه أن الحركة من شمال أفريقيا إلى موانئ الإسكندرية ودمياط تعتبر حركة داخلية فى حوض المتوسط، ولم تتأثر بأزمة البحر الأحمر.. لذا فالزيادة طبيعية وتتماشى مع التضخم.
وأشار إلى أن ميناء السخنة، شهد طفرة ضخمة جداً تتجاوز ثلاثة أضعاف، لأن السفن القادمة من شمال أفريقيا تضطر الآن للمرور عبر قناة السويس نزولاً للسخنة، وتتحمل الخطوط الملاحية مخاطر عالية ورسوماً إضافية للمرور جنوباً، بجانب نقص السفن المتاحة لدخول البحر الأحمر.
«شلبى»: شركات التأمين لن تخفض رسوم المخاطر فى ظل الاضطرابات الحالية
وقال إبراهيم شلبى، رئيس شعبة النقل الدولى ببورسعيد، إن استئناف العمليات العسكرية، قفز بتكلفة التأمين على السفن والبضائع المارة بمنطقة الخليج والبحر الأحمر بنسبة 306%، مؤكداً أن هذه الزيادة ستنعكس مباشرة على تكاليف النقل البحرى، بالإضافة لزيادة أسعار النوالين البحرية مدفوعة بالاضطرابات التى شهدتها أسعار الطاقة.
وأضاف أن التوتر دفع السوق الملاحى لإعادة حساباته بشأن تسعير الرحلات بداية من العقود المبرمة بين المورد والمستخلص والتوكيل الملاحى والخطوط الملاحية، فى ظل مواكبة الأحداث والاضطراب فى أسعار نوالين الشحن.
وأوضح «شلبى»، أن شركات التأمين لن تعلن عن انخفاض رسوم التأمين على السفن فى ظل هذه التحديات الإقليمية، ما يعود بزيادات متفاوتة على تكاليف التشغيل وأسعار السلع فى الأسواق، مشيراً إلى أن رسوم التأمين على السفن تعد العبء الثانى ضمن تكاليف التشغيل بعد أسعار نوالين الشحن البحرى.
ولفت إلى أن الزيادات التى شهدتها أسعار الطاقة تسببت فى اضطرابات غير مسبوقة فى أسعار النوالين بعد وصول سعر برميل النفط لمتوسط 90 دولاراً مقابل 70 دولاراً فى يونيو الماضى، متوقعاً أنه حال استمرار أزمة مضيق هرمز لنهاية العام الحالى سيعود سعر البرميل للارتفاع إلى 120 دولاراً.
وأكد «شلبى»، أن زيادة أسعار نوالين الشحن من موانئ شرق المتوسط والبحر الأسود إلى ميناء السخنة بنسبة 306% بسبب صعوبة وخطورة نقل البضائع من موانئ البحر الأسود ـ البحر المتوسط عبر قناة السويس وصولاً للسخنة فى ظل الأوضاع الأمنية الحالية فى البحر الأحمر.
أضاف أن تراجع أسعار نوالين الشحن من موانئ الولايات المتحدة الأمريكية ـ المكسيك إلى موانئ دمياط وبورسعيد، سببه أن الشحن من أمريكا إلى موانئ مصر على المتوسط يتم عبر المسار المباشر بالمحيط الأطلسى ثم مضيق جبل طارق وهو مسار آمن تماماً ومعزول عن أزمات الشرق الأوسط.
وأوضح أن الانخفاض الكبير فى دمياط، سببه رغبة الشركات فى تفريغ بضاعتها فى موانئ المتوسط بدلاً من المخاطرة بالعبور جنوباً، مؤكداً أنه فى المقابل كل بضاعة قادمة من أمريكا وموجهة للسخنة اضطرت لدفع علاوات مخاطر مضاعفة وتكاليف تحويل مسارات وتأمين للوصول للميناء المطل على البحر الأحمر، ما رفع السعر بنسبة 97.40%.








