يشهد قطاع التنقيب عن النفط والغاز، والإنتاج في مصر، عودة قوية لنشاط الاندماجات والاستحواذات، مع تزايد اهتمام المستثمرين الدوليين بالأصول النفطية المصرية، مدفوعًا بتحسن شروط الاستثمار وانتظام سداد مستحقات شركات البترول العالمية، وفق تقرير لمنصة «مسح الشرق الأوسط الاقتصادي».
أشار التقرير إلى وجود 3 صفقات رئيسية تدور حاليًا حول أصول في قطاع التنقيب والإنتاج المصري، في مقدمتها المنافسة على الاستحواذ على شركتي «كابريكورن إنرجي» و«فاروس إنرجي»، إلى جانب الاهتمام المتوقع بعملية بيع أصول شركة «بي بي» في مصر.
ويرى التقرير أن صفقة «بي بي» ستكون الاختبار الأهم لمدى قدرة موجة الاستحواذات الحالية على التحول إلى دورة أوسع من صفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع النفط والغاز المصري.
وقال إن عودة المستثمرين إلى السوق المصرية تأتي في أعقاب تحسن ملحوظ في مناخ الاستثمار بقطاع البترول، خاصة مع نجاح وزارة البترول والثروة المعدنية في خفض مستحقات شركات النفط العالمية وتسوية جانب كبير من المتأخرات.
ونوه التقرير عن تفاوض عدد من شركات النفط العالمية العاملة في مصر مع الحكومة، خلال الفترة الماضية، على تحسين الشروط المالية للاتفاقيات، مقابل التزامات بزيادة الاستثمارات ورفع معدلات الإنتاج.
ورغم استمرار التحديات المرتبطة بانخفاض إنتاج مصر من النفط والغاز، فإن تحسن التدفقات المالية وشروط الاستثمار دفع المستثمرين إلى تغيير نظرتهم للسوق، من محاولة تقليص الانكشاف على مصر إلى البحث عن فرص جديدة للتوسع والاستحواذ على أصول منتجة.
وكشف عن أن المنافسة على شركة «كابريكورن إنرجي» تعد أحد أبرز المؤشرات على التحول في نظرة المستثمرين إلى الأصول المصرية، بعدما جذبت الصفقة اهتمام شركات تشغيل واستثمار ذات استراتيجيات مختلفة.
وكانت شركة «جنرال إنرجي» المدرجة في بورصة لندن قد وافقت في وقت سابق من أغسطس على الاستحواذ نقدًا على «كابريكورن» مقابل نحو 360 مليون دولار، في صفقة تمنحها فرصة لتنويع محفظتها الجغرافية، التي تتركز بصورة كبيرة في كردستان العراق.
إلا أن المنافسة تصاعدت في 22 يوليو الماضي، بعدما أعلنت «كابريكورن» تلقي عرض مماثل تقريبًا بقيمة 359 مليون دولار من شركة «ساموس إنرجي» للاستثمار الخاص، بينما قدمت شركة «الأمادياف المسيحية» السعودية عدة مقترحات لعرض نقدي محتمل.
ومن المقرر أن يكون أمام تحالف «ساموس» و«الأمادياف» حتى اليوم 11 أغسطس ، الإعلان عن عرض رسمي أو الانسحاب من المنافسة.
ويعكس دخول «ساموس» إلى المنافسة تغير طبيعة المستثمرين المهتمين بالأصول المصرية، إذ لا تُعد الشركة من شركات التنقيب والإنتاج التقليدية، وإنما تمثل شريحة متنامية من المستثمرين الماليين الباحثين عن أصول نفطية وغازية منتجة.
وتأسست «ساموس» عام 2022، وتتبنى استراتيجية استثمار طويلة الأجل تستهدف صفقات تتراوح قيمتها بين 50 و500 مليون دولار، مع التركيز على أصول البنية التحتية والإنتاج البحري في جنوب شرق آسيا، بدلًا من تشغيل أصول التنقيب والإنتاج بشكل مباشر.
وأفاد التقرير بأنه رغم المنافسة على «كابريكورن»، تبدو «جنرال إنرجي» صاحبة أفضلية نسبية، بعدما أوصى مجلس إدارة «كابريكورن» مساهمي الشركة بقبول عرضها.
وأشار إلى أن المناقشات مع السلطات المصرية بشأن الموافقات المطلوبة للصفقة قطعت شوطًا متقدمًا، وهو ما قد يجعل من الصعب على أي عرض منافس تجاوز العرض الحالي.
وكانت «كابريكورن» قد دخلت في شراكة مع شركة «شيرون» المصرية في الصحراء الغربية، بعد استحواذها على أصول شركة «شل» البريطانية في مصر، المعروفة باسم «بابيتكو»، عام 2021.
وأشار التقرير إلى تراجع صافي إنتاج «كابريكورن» من مصر بنسبة 15% خلال 2025 على أساس سنوي، إلى نحو 20.2 ألف برميل مكافئ يوميًا، ما يجعل خبرة «جنرال إنرجي» التشغيلية عاملًا مهمًا في قدرة الشركة على استعادة معدلات الإنتاج.
ويرى التقرير أن شدة المنافسة على «كابريكورن» تعكس جاذبية الأصول المنتجة في مصر، ليس فقط أمام شركات النفط والغاز ذات الخبرة التشغيلية، وإنما أيضًا أمام المستثمرين الماليين الباحثين عن تدفقات نقدية وأصول قائمة يمكن تطويرها.
وأفاد بأن المنافسة لا تقل عن «فاروس إنرجي» أهمية، إلا أن الصفقة تحمل أبعادًا سياسية وتنظيمية إضافية، نظرًا لتقدم شركة «ريشيو بتروليوم» الإسرائيلية بعرض للاستحواذ على الشركة.
وكان مجلس إدارة «فاروس» قد أوصى بعرض «ريشيو» البالغ 121 مليون جنيه إسترليني، بما يعادل نحو 163 مليون دولار.
واستغلت شركة «سيريكا إنرجي» البريطانية ملاحظات لتقديم عرض منافس بقيمة 145.7 مليون جنيه إسترليني، أو نحو 195 مليون دولار، بزيادة تبلغ 21% على عرض «ريشيو».
وحظي عرض «سيريكا» بدعم بالإجماع من مجلس إدارة «فاروس»، الذي اعتبره أكثر جاذبية وقابلية للتنفيذ.
ورغم أن الأصول المصرية تمثل جزءًا محدودًا من إنتاج «فاروس»، إذ بلغ متوسط إنتاجها في مصر نحو 1069 برميلًا يوميًا خلال الربع الأول من العام، فإنها توفر للمشتري منصة قائمة يمكن البناء عليها، بينما تتركز غالبية قيمة «فاروس» في أصولها في فيتنام.
وتعتبر «سيريكا» الاستحواذ على «فاروس» خطوة أولى ضمن استراتيجية أوسع للتوسع خارج السوق البريطانية، مستفيدة من تحسن شروط الاستثمار في مصر.
وبحسب التقرير، ركزت «سيريكا» في تبرير الصفقة أمام المستثمرين على انخفاض مستحقات شركات النفط، وتحسن شروط اتفاقيات الامتياز، إلى جانب فرص زيادة الإنتاج مستقبلًا.
ولفت التقرير أن «سيريكا» تبدو الأقرب للفوز بالصفقة، مع احتفاظ «ريشيو» بحقوق تعاقدية قد تسمح لها بمطابقة العرض المنافس.
وأضاف أن اهتمام السوق حاليًا يتجه إلى خطة شركة «بي بي» لبيع شركاتها وأصولها في مصر، باستثناء مشروع «أركيوس» المشترك مع شركة «XRG» الإماراتية، في صفقة قد تصبح الأبرز في موجة إعادة ترتيب ملكية أصول التنقيب والإنتاج المصرية.
وتشمل قائمة المهتمين المحتملين بالصفقة شركة «إنرجين» اليونانية و«دراجون أويل» الإماراتية المملوكة للدولة، وهما شركتان تتمتعان بوجود قائم في مصر وتسعيان إلى التوسع في السوق.
ولفت إلى أن الصفقة تجذب أيضًا اهتمام صناديق الاستثمار المباشر، مع توقعات بدخول «أرتيميس إنرجي» ومقرها لندن، و«كارلايل جروب» الأمريكية، في المنافسة.
ويربط التقرير بين اهتمام «أرتيميس» بالسوق المصرية والاجتماع الأخير الذي عقده وزير البترول كريم بدوي مع «كوانتوم كابيتال جروب» الأمريكية، إذ أفاد بأن «كوانتوم» تمثل «أرتيميس» في المفاوضات مع الوزارة.
وتأسست «أرتيميس» للاستفادة من فرص الاستحواذ الدولية في قطاع التنقيب والإنتاج، مع التركيز على الأصول المنتجة والناضجة، ويرأسها جلعاد مايرسون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إيثاكا إنرجي»، الذي قاد خلال فترة عمله سلسلة من الاستحواذات أسهمت في تحويل الشركة إلى واحدة من أكبر شركات التنقيب والإنتاج المستقلة في المملكة المتحدة، أما «كارلايل»، فتسعى من خلال صفقة «بي بي» إلى إعادة محاولة بناء حضور قوي في قطاع التنقيب والإنتاج المصري.
وكانت شركة الاستثمار المباشر قد وافقت العام الماضي على صفقة بقيمة 945 مليون دولار للاستحواذ على أصول «إنرجين» في مصر وإيطاليا وكرواتيا، إلا أن الصفقة انهارت لاحقًا بعدما لم يستوف الطرفان جميع شروط إتمامها.
ويرى التقرير أن نتيجة عملية بيع أصول «بي بي» ستوفر أوضح مؤشر حتى الآن على مدى تعافي ثقة المستثمرين في قطاع البترول المصري، خاصة إذا نجحت الشركة في جذب منافسة قوية من شركات تشغيل إقليمية وصناديق استثمار مباشر.
وتعكس موجة الصفقات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في استراتيجية المستثمرين تجاه قطاع التنقيب والإنتاج المصري.
فمنذ عام واحد فقط، كان اهتمام الشركات العاملة في السوق يتركز بصورة أكبر على تحصيل مستحقاتها المتأخرة وتقليص حجم استثماراتها وانكشافها الرأسمالي، في ظل تراجع الإنتاج وتحديات السيولة.
أما حاليًا، فتشير المنافسة على أصول «كابريكورن» و«فاروس»، إلى جانب الاهتمام المتوقع بصفقة «بي بي»، إلى عودة المستثمرين للنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا يمكن تحقيق النمو فيها على المدى الطويل.
ورغم استمرار تحديات الإنتاج، فإن انتظام المدفوعات وتحسن شروط الاتفاقيات ووجود أصول منتجة بالفعل، إلى جانب فرص زيادة الإنتاج من خلال ضخ استثمارات جديدة، أعاد قطاع التنقيب والإنتاج المصري إلى دائرة اهتمام شركات النفط العالمية والمستثمرين الماليين.
وبحسب التقرير، فإن نجاح الصفقات الحالية، ولا سيما عملية بيع أصول «بي بي»، سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان نشاط الاندماج والاستحواذ الحالي مجرد موجة محدودة، أم بداية دورة جديدة من إعادة تشكيل ملكية أصول النفط والغاز في مصر.








