تمتلك مدينة رأس سدر مقومات طبيعية وموقعًا يؤهلها للدخول بقوة على خريطة الاستثمار السياحي والعقاري في مصر.. لكنها لا تزال تبحث عن نقطة الانطلاق التي تنقلها من وجهة لقضاء العطلات القصيرة إلى مدينة سياحية واستثمارية متكاملة.
ويرى خبراء ومتعاملون بالقطاع تحدثوا لـ”البورصة”، أن المنطقة تحتاج إلى مشروع رائد على غرار التجارب التي قادت نمو مدن سياحية أخرى مثل رأس الحكمة وعلم الروم، إلي جانب بناء نموذج مختلف يقوم على الفنادق والشقق الفندقية والخدمات المفتوحة بدلًا من تكرار تجربة القرى السياحية المغلقة.
أضافوا أن مستقبل رأس سدر لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات التي يمكن ضخها، وإنما بقدرة الجهات المعنية على بناء منظومة متكاملة تجمع بين النقل والبنية الأساسية والإقامة والخدمات والترفيه، بما يسمح للمنطقة باستقبال شرائح مختلفة من الزوار والمستثمرين، ويفتح الباب أمام منافسة مقاصد مثل العين السخنة والغردقة.
فوزي: المدينة تحتاج مشروعًا رائدًا لتنشيط وتحفيز التدفقات الاستثمارية
قال فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن منطقة رأس سدر تمتلك فرصًا للنمو والاستثمار خلال المرحلة المقبلة، إلا أن تنشيطها يحتاج إلى تدخل ودعم من الدولة من خلال تنفيذ مشروع رائد قادر على جذب الاستثمارات وتحفيز النشاط بالمنطقة على غرار ما نفذته الدولة في مدينة العلمين، باعتبار أن وجود مشروع كبير يمكن أن يمثل نقطة انطلاق للمنطقة ورفع معدلات الاستثمار بها.
وأوضح أن الظروف التي كانت تمر بها سيناء خلال الفترات السابقة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المنطقة، تعتبر من العوامل التي أثرت بالسلب على حركة الاستثمار في رأس سدر، مشيرا إلى أن سهولة الوصول إليها خلال المرحلة المقبلة قد تسهم في تغيير وضع المنطقة وزيادة جاذبيتها.
وأشار فوزي إلى أن تنفيذ مثل هذا المشروع يرتبط بإمكانيات الدولة وقدرتها على ضخ استثمارات ومشروعات كبرى، موضحًا أن الدولة هي القادرة على وضع الأساس لمشروع رائد يسهم في تحريك السوق العقارية والسياحية في رأس سدر.
وحال طرح مشروعات رائدة في رأس سدر خلال الفترة المقبلة، فمن المؤكد أن المنطقة ستشهد نشاطًا أكبر، مشيرًا إلى إمكانية أن تصبح منافسًا لعدد من المناطق السياحية والعقارية القائمة كالسخنة والغردقة.
عبدالمنعم: تطوير البنية التحتية مهم للتغلب على صعوبة الوصول البري
وقال إبراهيم عبدالمنعم، رئيس مجلس ادارة شركة كونسالتنج للتسويق العقاري، إن منطقة رأس سدر تمتلك مقومات طبيعية وسياحية تؤهلها لتصبح منطقة استثمارية واعدة، إلا أن صعوبة الوصول إليها والإجراءات المرتبطة بالعبور من الأنفاق تمثل أبرز العوامل التي تحد من نمو الاستثمار بها مقارنة بمناطق مثل العين السخنة والساحل الشمالي.
وأوضح أن المنطقة تتمتع بموقع مميز على البحر، إلى جانب جودة المياه والطقس، مؤكدًا أنها من الأماكن الرائعة، إلا أن المستثمر أو السائح يضع سهولة الوصول في مقدمة حساباته عند اتخاذ قرار الشراء أو قضاء الإجازة.
أضاف عبدالمنعم، أن الانتظار أمام الأنفاق كان في فترات سابقة يستغرق ساعات طويلة، وهو ما جعل الرحلة إلى رأس سدر تمثل عبئا بالنسبة لبعض المواطنين، خاصة خلال المناسبات والإجازات ونهاية الأسبوع، موضحًا أن إجراءات التفتيش قد تؤدي أحيانا إلى تعطيل الحافلات بالكامل بسبب إجراءات تخص أحد الركاب.
وهذه الإجراءات ترتبط باعتبارات أمنية، مؤكدا أن الدولة لا تستطيع التعامل معها باعتبارها عائقا يمكن إلغاؤه، لأن المنطقة ذات طبيعة حساسة، كما أن تأمين قناة السويس والحدود والممرات المؤدية إليها يمثل أهمية استراتيجية لمصر.
ولفت عبدالمنعم، إلى أن زيادة أعداد الأنفاق وتركيب البوابات الإلكترونية ساعدا في تحسين حركة العبور مقارنة بما كان يحدث قبل سنوات، متوقعًا أن يؤدي استمرار تطوير البنية الأساسية إلى تقليص زمن الوصول خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن إنشاء مطار في منطقة رأس سدر سيكون عاملًا مهما في تغيير معادلة الاستثمار والسياحة، لأنه سيسهل حركة المواطنين والسائحين ويقلل الاعتماد على الطرق والأنفاق، مشيرًا إلى أن وجود مطار سيمنح المنطقة فرصة أكبر للمنافسة مع المقاصد السياحية الأخرى.
أضاف أن المنطقة لا تملك حتى الآن عددًا كافيًا من الفنادق ذات مستويات الخدمة المرتفعة، موضحا أن غالبية المنشآت الموجودة عبارة عن فنادق بسيطة، ولا تصل إلى مستوى الفنادق ذات الأربع أو الخمس نجوم.
والسائح الأجنبي غالبًا ما يفضل شرم الشيخ لوجود المطار وسهولة الوصول إليها، بينما تحتاج رأس سدر إلي تطوير منظومة النقل حتى تستطيع جذب أعداد أكبر من السياح.
كما أن انخفاض بعض الأسعار في المنطقة يرتبط بمحدودية الطلب وصعوبة الوصول، لافتًا إلى أن بعض الفنادق تلجأ إلى خفض أسعار الإقامة لجذب الزوار، في حين اضطر ملاك بعض الوحدات والمشروعات إلى خفض أسعار البيع لتنشيط السوق.
أكد عبدالمنعم، أن رأس سدر يمكن أن تصبح منافسا للعين السخنة والمناطق السياحية الأخرى على المدى البعيد، لكن ذلك لن يتحقق على المدى القصير دون تحسين سهولة الوصول وتطوير الأنفاق، وتشغيل المطار، ودراسة وسائل نقل بحرية سريعة بين رأس سدر والمناطق المجاورة، حتي يسهم ذلك في تقليل زمن الرحلة ورفع جاذبية المنطقة للاستثمار.
القاضي: ضرورة بناء فنادق بمختلف الفئات بدلًا من القرى السياحية المغلقة
وقال محمد القاضي، الرئيس التنفيذي لشركة نورم للاستشارات العمرانية، إن تنمية منطقة رأس سدر تتطلب تبني نموذج استثماري وسياحي مختلف عن التجارب التي شهدتها مناطق أخرى مثل الساحل الشمالي والعين السخنة، مؤكدا أن تكرار نموذج القرى السياحية المغلقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي.
واقترح التركيز على إنشاء مناطق فندقية تضم فنادق بمستويات مختلفة، تشمل فئات ثلاث وأربع وخمس نجوم، إلى جانب التوسع في الشقق الفندقية، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على إنشاء قرى سياحية مغلقة.
وهذا النموذج يتيح للمواطنين الاستفادة من رأس سدر دون الحاجة إلى شراء وحدات مرتفعة التكلفة، موضحًا أن الزائر الذي يذهب إلى المنطقة عدة مرات سنويا يمكنه الإقامة في فندق أو شقة فندقية وفق قدراته المالية، بدلا من دفع مبالغ كبيرة لامتلاك وحدة لا يستخدمها إلا لفترات محدودة، مشيرا إلى أن تنوع مستويات الإقامة سيتيح جذب شرائح مختلفة من الزوار، ويعزز حركة السياحة.
وشدد القاضي على ضرورة التعامل مع رأس سدر باعتبارها مدينة متكاملة، وليست مجرد مجموعة من المشروعات المنفصلة، مؤكدًا أن التنمية الحقيقية تتطلب توفير الخدمات وفرص العمل وأنماط إقامة متنوعة تستوعب مختلف شرائح المجتمع.
وأوضح أن المطلوب هو إنشاء مناطق عامة مفتوحة، تضم مطاعم ومحالا وخدمات ترفيهية، إلى جانب الفنادق والمشروعات السياحية، بما يسمح للزائر بالتحرك والاستفادة من المنطقة ككل، وليس الاقتصار على مشروع سياحي مغلق.
أكد القاضي، أن دور الدولة في المرحلة المقبلة يجب أن يتركز على تهيئة البيئة المناسبة أمام المستثمرين وجذب الاستثمارات الفندقية، خاصة بعد تنفيذ استثمارات في الطرق والبنية التحتية ، وإمكانية طرح فرص استثمارية لإنشاء أعداد كبيرة من الغرف الفندقية والشقق الفندقية، بما يسمح للقطاع الخاص بالمشاركة في عملية التنمية دون تحميل الدولة أعباء استثمارية إضافية في المشروعات الفندقية نفسها.
ويرى القاضي أن أحد أهم عناصر نجاح التجربة هو توفير مستويات مختلفة من الأسعار والخدمات، بحيث تضم المنطقة منشآت فندقية تناسب الشرائح ذات الدخول المختلفة، إلى جانب مناطق تجارية وترفيهية متنوعة، مؤكدًا أن هذا التنوع يمكن أن يجعل رأس سدر وجهة قابلة للزيارة من شرائح أوسع، بدلًا من اقتصارها على ملاك الوحدات داخل المشروعات السياحية.
ولفت إلى أن طبيعة المنطقة والأنشطة الموجودة بها، ومنها الرياضات، تمثل عوامل جذب إضافية يمكن البناء عليها ضمن خطة متكاملة في رأس سدر، مؤكدًا أن تحويل المنطقة إلى وجهة قوية لا يتطلب تكرار نموذج الساحل الشمالي، وإنما يحتاج رؤية تقوم على إنشاء مدينة متكاملة الخدمات، تضم فنادق وشققًا فندقية ومناطق تجارية وترفيهية مفتوحة، مع الحفاظ على إتاحة المنطقة لمختلف شرائح الزوار.








