تواجه بعض المشروعات العقارية، مخاطر التعثر نتيجة التوسع في البيع المبكر قبل الوصول إلى معدلات تنفيذ مناسبة، إلى جانب ارتفاع تكاليف التنفيذ وتغيرات أسعار الصرف وضعف إدارة التدفقات النقدية لدى بعض الشركات.
قال محمد عبدالرحمن، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري، إنه يجب إعادة تنظيم عمليات البيع على الخريطة، مؤكدًا أن البيع قبل اكتمال المشروع ليس مشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن المخاطر في آليات تطبيقه.
وأوضح في حوار لـ”البورصة”، أن بعض المطورين يبدأون البيع بعد سداد نسبة محدودة من قيمة الأرض وقبل استكمال الإجراءات والتراخيص اللازمة، ما يرفع المخاطر على العملاء، خاصة في المشروعات التي تعتمد بصورة كبيرة على مقدمات الحجز لتمويل مراحل التنفيذ.
وطالب بربط عمليات البيع بمراحل التنفيذ الفعلية، مع تطبيق نظام الحساب البنكي المخصص للمشروع «Escrow Account»، بحيث تودع إيرادات المشروع في حساب مستقل ولا يتم الصرف منه إلا وفق مستخلصات معتمدة من مكتب استشاري متخصص.
قال عبدالرحمن، إن استخدام مقدمات الحجز في تمويل مشروعات أخرى قد يخلق ضغوطًا على التدفقات النقدية ويزيد مخاطر تعثر المشروع، مؤكدًا أن الهدف من تنظيم البيع على الخريطة ليس منعه، وإنما حماية أموال العملاء وضمان توجيه حصيلة المبيعات إلى المشروع محل البيع.
السوق لا تعاني فقاعة بالمعنى المتداول
أضاف أن السوق العقاري لا يعاني من «فقاعة» بالمعنى المتداول، وإنما تتركز المخاطر في بعض المشروعات التي تواجه تحديات تتعلق بالتمويل وإدارة التدفقات النقدية وارتفاع تكاليف التنفيذ.
وأشار إلى أن زيادة أعداد شركات التطوير العقاري خلال السنوات الأخيرة ودخول شركات جديدة إلى السوق دون خبرة كافية أو ملاءة مالية قوية يمثلان أحد أسباب تعثر بعض المشروعات.
أوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري، أن منطقة «الداون تاون» بالعاصمة الإدارية الجديدة تمثل نموذجًا لمخاطر البيع المبكر، مشيرًا إلى أن بعض المطورين حصلوا على الأراضي منذ عام 2020 وبدأوا حملات تسويقية وعمليات بيع واسعة، قبل أن تؤدي تغيرات سعر الصرف وارتفاع تكاليف التنفيذ إلى زيادة الضغوط على بعض المشروعات.
أضاف أن بعض مشروعات المنطقة لم تصل إلى معدلات تنفيذ مرتفعة، بينما تتركز معدلات الإنجاز الأكبر في مشروعات كبار المطورين.
نقص البيانات وطول فترة التأهيل .. أبرز التحديات
وانتقل عبدالرحمن إلى تحديات مهنة التقييم العقاري، موضحًا أن نقص البيانات اللازمة لإجراء عمليات التقييم، إلى جانب محدودية أعداد الخبراء وطول الفترة المطلوبة للحصول على ترخيص مزاولة المهنة، تأتي في مقدمة التحديات.
وأوضح أن عدد خبراء التقييم العقاري المقيدين لدى الهيئة العامة للرقابة المالية يبلغ نحو 286 خبيرًا، بينما لا يتجاوز عدد الممارسين فعليًا 180 خبيرًا، نتيجة حالات الوفاة والاعتزال وإلغاء القيد أو ترك بعض الخبراء للمهنة.
وأشار إلى أن حجم العمل في السوق العقاري يتطلب زيادة أعداد الخبراء، لافتًا إلى أن الجمعية تقدمت إلى الهيئة العامة للرقابة المالية بمقترح لتصنيف الخبراء وإتاحة مسار مهني تدريجي أمام الشباب.
وبحسب المقترح، يبدأ الخريج العمل لمدة 3 سنوات تحت مسمى «خبير تحت التمرين»، يشارك خلالها في إعداد أعمال التقييم، ثم يخضع لاختبار، وفي حال اجتيازه ينتقل إلى درجة «خبير مساعد» لمدة 3 سنوات أخرى قبل التأهل للحصول على درجة خبير.
أكد عبدالرحمن، أن إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للمعاملات العقارية يمثل أحد أبرز مطالب الجمعية، موضحًا أن التقييم يعتمد بصورة أساسية على بيانات دقيقة عن أسعار البيع والمساحات والمواقع وتواريخ التصرفات.
وأشار إلى أن دولًا مثل السعودية والإمارات تمتلك قواعد بيانات منظمة للمعاملات العقارية، بينما يواجه خبير التقييم في مصر صعوبة في الحصول على البيانات اللازمة لإجراء عمليات التقييم.
ويمكن تجميع البيانات من عدة جهات، بينها وزارة العدل من خلال الشهر العقاري، ووزارة المالية من خلال الضرائب العقارية وضرائب التصرفات العقارية، إلى جانب البنوك وشركات التمويل العقاري والتأجير التمويلي.
أضاف أن بيانات التصرفات العقارية تتضمن قيمة المعاملة ومساحة العقار وموقعه وتاريخ البيع، وهي عناصر أساسية لبناء قاعدة بيانات تساعد على رفع دقة التقييم.
وأكد أن الجمعية مستعدة لتحمل تكلفة إنشاء المنصة الإلكترونية، على أن تتولى الجهات المالكة للبيانات إتاحتها وفق الأطر القانونية المنظمة، مشيرًا إلى أن توفير البيانات سيحسن جودة ودقة عمليات التقييم.
وانتقل عبدالرحمن، إلى أسعار العقارات، موضحًا أن التسعير يتأثر بصورة أساسية بتكلفة الأرض والإنشاءات والتمويل وهامش ربح المطور.
فارتفاع أسعار الوحدات لا يعني بالضرورة تحقيق المطور هوامش ربح مماثلة لنسب الزيادة في الأسعار، موضحًا أن تكلفة التمويل أصبحت مكونًا مؤثرًا في التسعير، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وامتداد فترات السداد لسنوات طويلة.
أضاف أن ارتفاع أسعار الأراضي يمثل أحد أسباب زيادة أسعار الوحدات، كما أن الشراكات التي تحصل الدولة بموجبها على حصة من قيمة المشروعات تؤثر في هيكل التكلفة، وهو ما ينعكس على أسعار البيع النهائية بحسب طبيعة كل مشروع.
وأكد عبدالرحمن، أن دور الدولة يجب أن يتركز على تنظيم العلاقة بين المطور والعميل، من خلال عقود متوازنة ومواعيد تسليم واضحة، وضبط نسب التحميل واشتراطات البناء، وتسريع إصدار القرارات الوزارية والتراخيص، وتنظيم البيع على الخريطة وربطه بنسب تنفيذ محددة.
وفيما يتعلق بتقييم العقارات المخالفة، أوضح عبدالرحمن أن خبير التقييم يبدأ بتحديد الموقف القانوني للعقار وفق قانون التصالح، وما إذا كانت المخالفة قابلة للتصالح من عدمه.
وأشار إلى أن العقار القابل للتصالح يمكن تقييمه مع مراعاة التكلفة اللازمة لتوفيق أوضاعه وإنهاء إجراءات التصالح، بينما تؤثر المخالفات غير القابلة للتصالح بصورة مباشرة على القيمة السوقية للعقار.
وأوضح أن المطور العقاري يحتاج إلى خبير التقييم عند التعامل مع جهات التمويل، سواء البنوك أو شركات التمويل العقاري أو التأجير التمويلي، كما يستعين به في إعداد دراسات الجدوى وتقدير قيمة المشروع، لكن السعر النهائي للوحدات يتحدد وفق عوامل أخرى إلى جانب تقييم الخبير.
كشف عبدالرحمن، عن إعداد الجمعية بروتوكولات تعاون مع جهات دولية متخصصة في التقييم العقاري، بهدف تطوير برامج التدريب والتأهيل المستمر ومواكبة أحدث أساليب التقييم والمعايير المهنية.
كما تستهدف الجمعية تنظيم مؤتمر دولي للتقييم العقاري في مصر بنهاية النصف الأول من 2027، بمشاركة جهات وخبرات متخصصة من داخل مصر وخارجها، لمناقشة أحدث الممارسات وتعزيز تبادل الخبرات.
وطالب بإنشاء أكاديمية أو كلية متخصصة في علوم العقار تضم تخصصات التطوير العقاري والتقييم والوساطة والتسويق وإدارة المشروعات والصيانة وإدارة الأصول، مشيرًا إلى أن تطور السوق يتطلب كوادر متخصصة في مختلف الأنشطة المرتبطة بالقطاع.
وفيما يتعلق بمتابعة معدلات تنفيذ المشروعات العقارية، وصف عبدالرحمن توجه الحكومة لمتابعة التزام الشركات بالجداول الزمنية بأنه خطوة إيجابية، مطالبًا بالاستعانة بمكاتب استشارية هندسية متخصصة تحت إشراف الجهات الحكومية.
وأوضح أن متابعة نسب الإنجاز والمواصفات الفنية والتصميمات وتكاليف التنفيذ تتطلب خبرات هندسية متخصصة، على أن تتضمن تقارير المتابعة موقف المشروع ونسب التنفيذ وأبرز المشكلات والحلول المقترحة.
وأكد أن العلاقة بين المطور والعميل تحتاج إلى مزيد من التنظيم، خاصة فيما يتعلق بمواعيد التسليم ونسب تحميل المساحات وتوازن الالتزامات التعاقدية.
فبعض العقود تمنح المطور مددًا طويلة عند التأخر في التسليم، في حين تفرض على العميل التزامات صارمة عند التأخر في سداد الأقساط، ما يستدعي إطارًا تعاقديًا أكثر توازنًا.
أعمال التطوير ترفع القيمة السوقية لعقارات وسط القاهرة 25%
أشار عبدالرحمن، إلى أن أعمال التطوير في منطقة وسط القاهرة أسهمت، بحسب تقديرات الجمعية، في زيادة القيمة السوقية للعقارات بنحو 25%، متوقعًا استمرار الارتفاع مع استكمال أعمال التطوير ورفع كفاءة المباني والشوارع والبنية الأساسية.
وأوضح أن حالة العقار والمنطقة المحيطة به تؤثر بصورة مباشرة على قيمته السوقية، داعيًا إلى الاستفادة من تجارب الدول الأوروبية في تطوير المناطق التاريخية وتوظيفها سياحيًا واقتصاديًا.
وأكد رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري، أن استكمال تطوير وسط القاهرة وفق رؤية متكاملة يمكن أن يعزز القيمة العقارية والسياحية للمنطقة، خاصة مع تقليل حركة السيارات وزيادة مساحات المشاة ورفع كفاءة المباني والبنية الأساسية.
وشدد على أن تنظيم السوق العقاري يمثل المدخل الأساسي لمعالجة المشكلات الحالية، سواء المتعلقة بالتسعير أو البيع على الخريطة أو التراخيص أو تأخر التسليم والعلاقة بين المطور والعميل.
قال عبدالرحمن، إن السوق يحتاج إلى جهة تنظيمية واضحة تضع قواعد ملزمة لجميع الأطراف، مع الفصل بين دور الدولة كمنظم للسوق ودورها كشريك في بعض المشروعات.
وأضاف أن تطوير مهنة التقييم العقاري يرتبط بصورة مباشرة بتنظيم السوق، مشيرًا إلى أن توفير قاعدة بيانات دقيقة للمعاملات العقارية، وتطوير الكوادر، وإتاحة مسار مهني للشباب، والاستفادة من الخبرات الدولية، تمثل أبرز أولويات الجمعية خلال الفترة المقبلة.







