في السياسة لا تترك الأشياء للصدفة، إن نجاح مصر في الفوز باستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP18) في شرم الشيخ عام 2028 يتجاوز بكثير استضافة مؤتمر دولي جديد. فهو يمنح مصر منصة استراتيجية للمساهمة في صياغة أحد التحديات الدبلوماسية الصاعدة في أفريقيا: كيف يمكن للدول إدارة الجفاف وتدهور الأراضي وندرة المياه في عالم تزداد فيه الضغوط المناخية؟.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة من حيث التوقيت. ففي عام 2027، تستضيف إثيوبيا مؤتمر COP32 في أديس أبابا. وبعد عام واحد فقط، تستضيف مصر COP18 في شرم الشيخ.
وعلى مدى عامين متتاليين، ستكون القارة الأفريقية في قلب أجندة المناخ والبيئة العالمية، عبر مؤتمرين تستضيفهما دولتان ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بمستقبل نهر النيل، بينما تتسم علاقتهما بواحد من أكثر النزاعات تعقيدًا حول الموارد المائية العابرة للحدود في أفريقيا، وهنا تحديدًا تكمن أهمية الخطوة المصرية.
فالنزاع بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل وسد النهضة لا يتعلق فقط بإدارة منشأة مائية، وإنما يرتبط بمستقبل مورد مشترك في منطقة تواجه بالفعل ضغوطًا متزايدة من تغير المناخ والجفاف والنمو السكاني والأمن الغذائي.
ومع دخول سد النهضة مرحلة التشغيل، تصبح قضية الإدارة المستدامة والمتوقعة للموارد المائية خلال فترات الجفاف أكثر أهمية، ليس لمصر وإثيوبيا وحدهما، وإنما لأفريقيا بأكملها.
ولذلك، فإن استضافة مصر لـCOP18 يمكن أن تمنح القاهرة فرصة لنقل النقاش من الإطار الثنائي الضيق إلى إطار أفريقي ودولي أوسع: كيف يمكن للدول إدارة الموارد المائية المشتركة في عصر يتزايد فيه الجفاف والضغط المناخي؟
وفي عالم يتعرض فيه النظام متعدد الأطراف لضغوط متزايدة، فإن قرار مصر استضافة COP18 يعكس القيمة الاستراتيجية التي توليها القاهرة للدبلوماسية متعددة الأطراف. فالمنتديات الدولية لا توفر فقط مساحة للظهور والحضور، بل يمكنها أيضًا أن تساهم في تشكيل السرديات، وبناء التحالفات، وخلق المساحة السياسية اللازمة للتعامل مع النزاعات والقضايا المعقدة.
كما أن مؤتمر COP17 في منغوليا شهد تأجيل التوصل إلى اتفاق بشأن إطار عالمي مقترح لمواجهة الجفاف، لتبقى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في الدبلوماسية البيئية الدولية دون حسم، والآن تنتقل الأجندة إلى مصر.
ويمنح COP18 القاهرة فرصة ليس فقط لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات، وإنما للتأثير في كيفية استجابة المجتمع الدولي للجفاف قبل أن يتحول إلى أزمة أوسع في التنمية والأمن والاستقرار.
وقد أثبتت مصر بالفعل أن استضافة مؤتمر للأطراف يمكن أن تتحول إلى نفوذ دبلوماسي. فقد كان COP27 في شرم الشيخ محطة فارقة في الدبلوماسية المناخية الدولية لمصر. فإلى جانب وضع البلاد في قلب المفاوضات المناخية العالمية، شهد المؤتمر القرار التاريخي بإنشاء ترتيبات تمويلية جديدة، وعلى رأسها صندوق الخسائر والأضرار، لمساندة الدول الأكثر تعرضًا لتأثيرات تغير المناخ. كما أظهر قدرة مصر على بناء جسور بين الدول المتقدمة والنامية، ورفع أولويات دول الجنوب إلى صدارة النظام متعدد الأطراف، ومن ثم، يمثل COP27 سابقة مهمة لما يمكن أن تسعى مصر إلى تحقيقه من خلال COP18.
كما أن الدبلوماسية البيئية المصرية لها تاريخ أطول. ففي عام 2018، استضافت شرم الشيخ مؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي (CBD COP14)، مما عزز دور مصر كدولة قادرة على جمع الأطراف وتعزيز الحوار حول التنوع البيولوجي ومرونة النظم البيئية. إلا أن COP27 أظهر طموحًا أكبر: قدرة مصر على الانتقال من مجرد استضافة النقاشات الدولية إلى المساهمة في صياغة نتائجها، وتكمن الفرصة الاستراتيجية الأعمق في التمويل.
فاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف لا يزالان يعانيان من نقص كبير في التمويل، رغم أهميتهما للتكيف مع تغير المناخ، والأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي. ويمكن لمصر أن تستخدم COP18 للدفع باتجاه رؤية تعتبر الاستثمار في مرونة الأراضي والمياه ليس مجرد إنفاق بيئي، بل استثمارًا في التنمية والأمن الاقتصادي والاستقرار طويل الأجل.
وإذا كان COP27 قد ساهم في ترسيخ «الخسائر والأضرار» كأحد الأعمدة الرئيسية للعدالة المناخية، فإن COP18 يمكن أن يساهم في ترسيخ القدرة على مواجهة الجفاف واستعادة الأراضي باعتبارهما ركيزتين من ركائز الأمن المناخي.
نجاح مصر في COP18 لن يقاس فقط بحجم المؤتمر أو عدد المشاركين، وإنما بقدرتها على استخدام الرئاسة لبناء تحالفات، والتأثير في القواعد والمعايير الدولية، وربط قضايا المياه والأراضي والجفاف بالأمن والتنمية.. وهنا تتجاوز الدبلوماسية حدود المؤتمر.








