مشروعات مشتركة مع الصين لتعميق التصنيع وزيادة المكون المحلي
تترقب العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية تحولاً استراتيجياً فارقاً، بالتزامن مع الزيارة التاريخية المرتقبة للرئيس الصينى «شى جين بينغ» إلى القاهرة خلال أيام، وهى الأولى له منذ 10 سنوات.
تأتى الزيارة محملة بمستهدفات رفع الاستثمارات الصينية فى مصر من 10 مليارات دولار حالياً إلى 15 مليار دولار، فى ظل إعادة تشكيل خريطة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتعيد الزيارة إلى الواجهة ملفًا اقتصاديًا تخطّى مرحلة «الأرقام الكبيرة» إلى «الأرقام الضخمة»: تبادل تجارى بنحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، واستثمارات صينية تجاوزت 10 مليارات دولار، ومقايضة عملات رُفعت إلى 30 مليار يوان، وسط ترقب لدفعة جديدة من الاتفاقيات تستهدف رفع الاستثمارات إلى 15 مليار دولار خلال 2027.
لم تكن زيارة 2016 مجرد محطة بروتوكولية؛ ففى 21 يناير من ذلك العام وقّع شى جين بينغ 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم استثمارية واقتصادية تجاوزت قيمتها الإجمالية 15 مليار دولار، قبل أن تتوج المسيرة بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين فى ديسمبر 2024، التى تعد الأساس التعاقدى لما يُنتظر خلال الأيام المقبلة.
وبعد عقد كامل، يعود الرقم نفسه إلى المشهد لكن بمعادلة مختلفة: فبينما كانت 15 مليار دولار فى 2016 قيمة اتفاقيات موقعة، تُطرح اليوم هدفًا للاستثمارات الصينية التراكمية فى مصر خلال 2027، فى تطابق لافت يمنح الزيارة زخمًا استثنائيًا لدى أوساط الأعمال.
ووفقًا لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ارتفع حجم التبادل التجارى بين مصر والصين إلى 20.78 مليار دولار بنهاية 2025، مقابل 17.37 مليار دولار فى 2024، بنمو يقارب 19.6%.
غير أن خلف هذا الرقم تقف فجوة تجارية واضحة؛ إذ لا تتجاوز الصادرات المصرية إلى الصين نحو 398 مليون دولار فى 2024، ما يضع تصحيح هيكل الميزان التجارى على رأس مطالب القاهرة، خاصة بعد أن شملت بكين مصر ضمن خطة الإعفاء الجمركى الكامل على واردات 53 دولة إفريقية، التى بدأ تطبيقها فى مايو 2026.
وفى ملف العملات، جددت مصر والصين فى يونيو الماضى اتفاق تبادل العملات بين البنكين المركزيين لمدة 3 سنوات، مع رفع قيمته إلى 30 مليار يوان، فى خطوة من شأنها تخفيف الضغوط المرتبطة بتوفير العملة الصعبة ودعم حركة التجارة.
قال أحمد عزالدين، رئيس لجنة تنمية العلاقات الاقتصادية مع الصين فى جمعية رجال الأعمال المصريين، لـ«البورصة»، إن الاستثمارات الصينية فى مصر بلغت نحو 10 مليارات دولار خلال العام الماضي، مستهدفًا ارتفاعها إلى 15 مليار دولار خلال العام المقبل 2027.
وتتسق أرقام عز الدين مع تأكيد رسمى من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، فى أغسطس الجاري، بأن الاستثمارات الصينية فى مصر تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار من خلال عدد كبير من الشركات العاملة فى مختلف القطاعات.
ويتركز جزء كبير من هذا التوسع فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التى تجتذب حاليًا نحو 160 شركة صينية فى قطاعات الألياف الزجاجية ومواد البناء الجديدة وغيرها.
وتُعد العاصمة الجديدة أبرز شواهد الشراكة: إذ سلّمت شركة «CSCEC» الصينية مصر 15 برجًا ضمن منطقة الأعمال المركزية بتكلفة تبلغ 3.8 مليار دولار، بتمويل من مجموعة بنوك صينية بقيادة البنك الصناعى والتجارى الصيني.
وأكد عزالدين، لـ«البورصة»، أن هناك فرصًا كبيرة لتوطين صناعات تعتمد على خامات وموارد مصرية، من بينها الكوارتز والفوسفات والمنجنيز والكاولين، إلى جانب القطن والكتان.
وأشار إلى أن مواد البناء تأتى ضمن القطاعات المستهدفة، وتحديدًا الأسمنت والحديد، إلى جانب السيارات ومكوناتها والسيارات الكهربائية، وقطاع الطاقة الجديدة والمتجددة فى تصنيع الألواح الشمسية ومشروعات توليد الكهرباء من الرياح، فضلًا عن الملابس الجاهزة والغزل والنسيج فى ظل توافر خامات محلية يمكن تعظيم الاستفادة منها عبر التصنيع والتكنولوجيا.
من جانبه، قال أيمن العشري، رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية للقاهرة، لـ«البورصة»، إن تعميق التعاون مع الشركات الصينية يمكن أن يخلق فرصًا أمام المستثمرين المصريين فى قطاعات جديدة، عبر إقامة مشروعات مشتركة وزيادة نسبة المكون المحلى بدلًا من الاقتصار على استيراد المنتجات النهائية.
ويرى أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا للشركات الصينية للتصنيع والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافى واتفاقيات التجارة والبنية التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية.
وفى ملف بيئة الأعمال، كشف أحمد شيرين، رئيس لجنة الاستثمار بالغرف التجارية، أن السوق المصرية لا تحتاج تقديم حوافز إضافية لجذب الاستثمارات الصينية، بقدر حاجتها لتسريع الإجراءات وحوكمة بيئة الاستثمار لضمان تدفق رءوس الأموال.
«عبدالسلام»: الشراكة الصينية تدعم توطين صناعة الملابس وتعظيم القيمة المضافة للخامات المصرية
وعلى صعيد القطاعات الإنتاجية، أكد كل من محمد عبدالسلام، رئيس غرفة الملابس الجاهزة، وخالد سعد، أمين عام رابطة مصنعى السيارات، أن الشراكة الصينية تفتح باباً لتوطين الصناعات المغذية وتحديث التكنولوجيا، ما يُمهد لتحويل مصر إلى منصة تصديرية رئيسية للسيارات ومكوناتها وللمنسوجات إلى أسواق المنطقة.