يواجه السوق العقاري مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية التوسع الكمي لصالح التوسع المدروس، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد المعروض في بعض المناطق والشرائح، ما يفرض على المطورين إعادة النظر في خطط إطلاق المشروعات وربطها بحجم الطلب الحقيقي.
وتأتي هذه التحولات بالتزامن مع توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بمتابعة أداء المطورين والتزامهم بمواعيد التسليم والتعاقدات، بما يدفع السوق نحو مزيد من الفرز بين الشركات القادرة على التنفيذ وتلك التي تعتمد بصورة أكبر على المبيعات المسبقة لتوفير السيولة.
ويرى خبراء أن السوق لا يعاني من فائض عام في المعروض على مستوى الجمهورية، وإنما من فجوة بين نوعية المنتجات المطروحة والقدرة الشرائية للعملاء، مع تركز نسبي للمشروعات في الشرائح الأعلى سعرًا، مقابل فرص أكبر في الإسكان المتوسط والوحدات ذات المساحات والأسعار التي تتناسب مع دخول العملاء.
البستاني: السوق يتجه نحو التصحيح والتنظيم وليس الانكماش
قال محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين، إن السوق العقاري يتجه خلال الفترة المقبلة إلى مرحلة من التصحيح والتنظيم وليس الانكماش، متوقعًا استمرار نمو القطاع مدفوعًا بالطلب الحقيقي والنمو السكاني والامتداد العمراني، ولكن بوتيرة أكثر انضباطًا.
وأضاف أن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن الالتزام بالعقود ومواعيد التنفيذ والتسليم ستسهم في إعادة فرز السوق بين المطور الجاد القادر على تنفيذ التزاماته، والشركات التي تعتمد بصورة أساسية على المبيعات دون امتلاك القدرة التنفيذية والمالية الكافية.
أوضح البستاني، أن المشكلة لا تتمثل في تضخم عام للمعروض، وإنما في عدم توافق بعض المنتجات المطروحة مع القدرة الشرائية للعملاء، لافتًا إلى أن ارتفاع القيمة الإجمالية للمبيعات لا يعكس بالضرورة نمو الطلب الحقيقي، خاصة مع ارتفاع أسعار الوحدات وتراجع عدد الوحدات التي يستطيع العملاء شراءها.
وأشار إلى أن الطلب يميل حاليًا إلى الوحدات الأصغر والمتوسطة، ذات الأسعار الإجمالية وخطط السداد القابلة للتحمل، مؤكدًا أن إطلاق مشروع جديد يجب أن يكون قائمًا على فرصة حقيقية للنمو، وليس وسيلة لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال مشروع سابق.
وحول احتمالات التشبع، قال البستاني إن التشبع قد يظهر في مناطق أو منتجات بعينها، إلا أن الخطر الأكبر يتمثل في تشابه المنتجات، موضحًا أن طرح مشروعات متكررة من حيث المساحات والأسعار يستنزف الشريحة نفسها من العملاء.
وأكد أن السؤال الأهم أمام المطورين خلال المرحلة المقبلة لن يكون «أين توجد أرض متاحة؟»، وإنما «أين توجد فجوة حقيقية في الطلب؟»، مشيرًا إلى استمرار الفرص في شرق وغرب القاهرة والعاصمة الجديدة والساحل الشمالي، بشرط دراسة الاحتياجات الفعلية لكل منطقة.
وتوقع استمرار ارتفاع أسعار العقارات ولكن بوتيرة أكثر هدوءًا، مشيرًا إلى إمكانية تحرك الزيادات في كثير من المشروعات بين 10 و20% سنويًا، وفقًا للمنطقة وتكاليف التنفيذ والتمويل.
القاضي: التشبع يظهر في الشرائح الفاخرة ونحتاج وحدات إسكان متوسط
وقال محمد القاضي، عضو لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن السوق العقاري لا يعاني حاليًا من زيادة إجمالية في المعروض بقدر ما يواجه مشكلة في توزيعه وضعف القدرة الشرائية، موضحًا أن السوق لا يزال قادرًا على استيعاب وحدات جديدة، لكن بشرط توافقها مع احتياجات العملاء.
أضاف أن بعض المطورين يلجأون إلى إطلاق مشروعات جديدة بهدف توفير السيولة اللازمة لاستكمال مشروعات أخرى متعثرة، معتبرًا أن استمرار هذا الأسلوب يمثل خطرًا على السوق، لأنه ينقل مشكلة التعثر من مشروع إلى آخر بدلًا من معالجتها.
وأوضح القاضي، أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات التعثر وتأخر التسليم خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة، مؤكدًا ضرورة معالجة أوضاع المشروعات القائمة قبل التوسع في إطلاق مشروعات جديدة.
وأشار إلى أن توجيهات الرئيس بشأن متابعة المطورين المتأخرين في التسليم تمثل خطوة مهمة لتنظيم السوق، لكنها تحتاج إلى آليات تنفيذ تضمن تقييم قدرة المطور المتعثر على استكمال المشروع، وقد تتطلب في بعض الحالات إعادة جدولة مدد التنفيذ والتسليم.
وحذر القاضي من أن استمرار حالات التعثر وتأخر التسليم قد يؤثر على ثقة العملاء والمستثمرين في السوق العقاري، بما ينعكس على قدرة القطاع على جذب استثمارات محلية وأجنبية جديدة.
وحول التشبع، أوضح أن المشكلة تظهر بصورة أكبر في بعض الشرائح السعرية وليس على مستوى المناطق بالكامل، مشيرًا إلى وجود احتياج قوي للإسكان المتوسط، مقابل تركّز جانب من المعروض في الإسكان المتميز والفئات الأعلى سعرًا.
أكد القاضي، أن ارتفاع أسعار الأراضي وتكلفة التمويل يمثلان أحد أهم أسباب ابتعاد المطورين عن الإسكان المتوسط، داعيًا إلى توفير أراضٍ بأسعار وتسهيلات مناسبة، إلى جانب حوافز ضريبية وتمويلية تشجع الشركات على التوسع في هذه الشريحة.
الشربيني: نقف أمام إعادة فرز والأولوية للمطور القادر على التنفيذ
وقال باسم الشربيني، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة إتقان للاستشارات المالية والتسويقية، إن السوق العقاري يتجه خلال الـ12 شهرًا المقبلة إلى تصحيح انتقائي وإعادة فرز، وليس إلى توقف شامل للتوسع أو انخفاض واسع في الأسعار.
وأوضح أن التطوير سيستمر في المواقع التي تتمتع بطلب حقيقي وبنية أساسية ومحركات تشغيل، لكن بوتيرة أكثر حذرًا، مشيرًا إلى أن التصحيح سيظهر بصورة أكبر في سرعة المبيعات وحجم المراحل المطروحة ومساحات الوحدات والخصومات وفترات السداد، وليس بالضرورة في صورة خفض اسمي واسع للأسعار.
أضاف الشربيني، أن استمرار إطلاق المشروعات يرتبط في جانب منه باعتماد المطورين على المبيعات المسبقة لتمويل الإنشاءات، إلى جانب التزامات الأراضي وارتفاع تكاليف التمويل والتنفيذ، إلا أنه شدد على ضرورة التمييز بين التوسع المدروس والإطلاق بهدف توفير السيولة.
وأشار إلى أن العميل أصبح أكثر اهتمامًا بالسعر الإجمالي للوحدة وقيمة القسط وموعد التسليم وسمعة المطور، ما يدعم الطلب على الوحدات الصغيرة والمتوسطة والجاهزة أو القريبة من التسليم.
وأكد أن قدرة المناطق على استيعاب مشروعات جديدة أصبحت مرتبطة بمحركات الطلب وليس باسم المنطقة فقط، مشيرًا إلى استمرار الفرص في غرب وشرق القاهرة والعاصمة الإدارية والساحل الشمالي والعلمين ورأس الحكمة، إلى جانب المدن الإقليمية الجديدة، بشرط دراسة مستويات الدخل والقدرة الشرائية والاحتياجات المحلية.
وتوقع الشربيني زيادة أسعار العقارات في المتوسط بين 10 و15% خلال الـ12 شهرًا المقبلة، مع إمكانية وصولها إلى 15 و20% في بعض المشروعات المتميزة أو التي تقدم فترات سداد طويلة، مستبعدًا حدوث انخفاض اسمي واسع في أسعار السوق الأولية.
راشد: تحديد حجم الطلب الحقيقي يجب أن يسبق طرح الأراضي والمشروعات
وقال محمد راشد، عضو المجلس التنفيذي للمجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، إن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي تمثل بداية مهمة للانتقال من النمو الكمي إلى نمو أكثر انضباطًا، قائم على جودة المنتج والقدرة المالية والتنفيذية للمطور وحماية حقوق العملاء.
وأوضح أن السيناريو الأقرب للسوق يتمثل في استمرار التوسع ولكن بمعدلات أقل، بالتوازي مع تصحيح انتقائي في حجم وتركيبة المعروض، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في سرعة تراكم المعروض مقارنة بمعدلات البيع.
أكد راشد، أن استمرار إطلاق المشروعات بوتيرة أسرع من نمو المبيعات قد يؤدي إلى إطالة مدد البيع وزيادة الاحتياجات التمويلية والضغط على التدفقات النقدية، ما يرفع مخاطر تعثر الشركات الأقل قدرة على تحمل دورة بيع طويلة.
وأشار إلى أن التشبع لا يظهر على مستوى السوق ككل، وإنما في بعض المناطق والشرائح التي تتشابه فيها المنتجات والأسعار وأنظمة السداد، لافتًا إلى إمكانية رصد علامات التشبع من خلال زيادة مدد البيع والخصومات وطول فترات السداد وتراجع معدلات تحويل العملاء إلى مشترين.
وشدد راشد على ضرورة إعادة النظر في آليات طرح الأراضي، بحيث ترتبط بقدرة السوق على امتصاص المخزون القائم وليس فقط بحجم الأراضي المتاحة، مقترحًا إنشاء قاعدة بيانات موحدة تربط بيانات الأراضي والمشروعات والمبيعات والتسليمات والمخزون.
وتوقع استقرارًا نسبيًا في حجم السوق خلال الفترة المقبلة، مع تصحيح انتقائي للمعروض وتباطؤ وتيرة نمو الأسعار، مؤكدًا أن السوق لا يحتاج إلى وقف الاستثمار، وإنما إلى توجيهه نحو المنتجات والمناطق التي تتمتع بطلب حقيقي.








