رغم اتساع قاعدة المنتجات الاستثمارية الرسمية في مصر، وتنوع صناديق الاستثمار، وانتشار المنصات والتطبيقات الرقمية التي تتيح للأفراد الوصول إلى الخدمات المالية وفتح حسابات للتعامل في البورصة بإجراءات أكثر سهولة، لا تزال ظاهرة «المستريح» قادرة على جذب مدخرات المواطنين، خاصة في القرى والنجوع والمناطق التي تعتمد بدرجة أكبر على العلاقات الشخصية والثقة المتبادلة.
ويعتمد «المستريح» في جمع الأموال على نموذج مختلف عن الاستثمار الرسمي؛ فبينما تقوم المؤسسات المالية على الترخيص والإفصاح والرقابة وربط العائد بمستوى المخاطر، يقدم المحتال للمواطن وعدًا بعائد مرتفع وثابت وسريع، مستفيدًا من الثقة الشخصية والرغبة في تحسين الوضع المالي، وأحيانًا من الضغوط المعيشية التي تدفع أصحاب المدخرات إلى البحث عن فرص تحقق مكاسب أكبر خلال فترة قصيرة.
وتكشف آراء خبراء سوق المال وعلم النفس الاجتماعي أن استمرار الظاهرة لا يرتبط فقط بنقص البدائل الاستثمارية، وإنما بقدرة «المستريح» على تحويل العلاقات العائلية والجيرة والمعرفة الشخصية إلى أدوات لجذب الأموال، فضلًا عن استغلال رغبة بعض المدخرين في تحقيق عوائد استثنائية دون تحمل المخاطر المرتبطة بها.
ويبدأ هذا النموذج عادة من دائرة اجتماعية محدودة، تضم الأقارب والأصدقاء والجيران، حيث يستخدم المستريح سمعته الشخصية وعلاقاته السابقة كبديل عن الترخيص والضمانات القانونية. وفي بعض الحالات، يدفع عوائد فعلية للمجموعة الأولى من المتعاملين معه، بما يعزز الثقة فيه ويدفع هؤلاء إلى الترويج له داخل دوائرهم الاجتماعية، قبل أن تتوسع دائرة جمع الأموال بصورة كبيرة.
«المستريح» يبيع الثقة الشخصية مقابل وعد بعائد استثنائي
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن ظاهرة «المستريح» في القرى والنجوع تعتمد بصورة أساسية على الثقة الشخصية بالمحتال والرغبة في تحقيق عوائد مرتفعة وغير اعتيادية، وليس على الاستثمار في البورصة أو الأدوات المالية التقليدية.
وأضاف المصري أن ضحية «المستريح» لا تبحث في الغالب عن اتخاذ قرار استثماري بنفسها، وإنما تفضل تسليم أموالها لشخص تثق به لتشغيلها مقابل عائد ثابت، وهو ما يستغله المحتال من خلال تقديم وعود بعوائد غير منطقية لجذب المزيد من الأموال.
وأوضح أن شركات السمسرة يصعب عليها الانتشار بصورة فعلية في القرى والنجوع بسبب ارتفاع تكلفة التواجد الفعلي وافتتاح الفروع، مشيرًا إلى أن الوصول إلى هذه الفئات يمكن أن يتم بصورة أكبر من خلال التطبيقات والمنصات الرقمية، إلا أن هذه الأدوات لا تزال غير مناسبة لجميع الشرائح، خاصة الفئات الأقل قدرة على التعامل مع التكنولوجيا.
وأشار إلى أن «مستريح البورصة» يستخدم الآلية نفسها، لكنه يوهم العملاء بأنه يمتلك خبرة خاصة تمكنه من تشغيل أموالهم في سوق الأوراق المالية وتحقيق عوائد مرتفعة، مؤكدًا أن الاختلاف يكمن في مجال توظيف الأموال، بينما تظل آلية الاحتيال قائمة على الثقة الشخصية ووعد الضحية بعائد ثابت.
وأوضح أن «مستريح البورصة» أقل انتشارًا من المستريح التقليدي، وأن الحالات التي ظهرت في سوق المال محدودة مقارنة بالظاهرة المنتشرة في الأنشطة التجارية والقرى.
وأكد المصري أن الطمع يمثل عاملًا مشتركًا بين مختلف صور «المستريح»، موضحًا أن المستثمر الذي يدرك طبيعة السوق ومخاطره لن يقبل بسهولة وعود تحقيق عائد ثابت ومرتفع بصورة غير اعتيادية.
المنافسة على الاستثمار الرسمي بوعد الثراء السهل
وقال عمرو عبده، العضو المنتدب لشركة أسطول لتداول الأوراق المالية، إن ضعف الثقافة المالية والاستثمارية يمثل أحد أبرز أسباب انتشار ظاهرة «المستريح»، مؤكدًا أن ربط الظاهرة بانخفاض مستويات التعليم أو انتشارها في مناطق جغرافية بعينها ليس دقيقًا، إذ طالت ضحايا من مستويات تعليمية واجتماعية مختلفة.
وأضاف عبده أن شركات السمسرة عند التوسع في المحافظات تضع الجدوى الاقتصادية والتجارية في مقدمة أولوياتها، من حيث حجم النشاط والتداول المتوقع وعدد المستثمرين وتكلفة تشغيل الفروع، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي والتداول الإلكتروني قللا الحاجة إلى إنشاء فروع في مختلف المحافظات.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف جهود نشر الثقافة الاستثمارية، خاصة في صعيد مصر والدلتا والمناطق التي لم تحصل تاريخيًا على قدر كافٍ من الخدمات المالية، لافتًا إلى أن الابتعاد عن قنوات الاستثمار الرسمية يخلق مساحة تستغلها جهات غير مؤهلة أو غير مرخصة لتقديم وعود بعوائد خيالية.
وأشار إلى أن ظاهرة «المستريح» غيرت أشكالها على مدار السنوات، فتظهر أحيانًا في صورة تجارة أو عقارات أو ذهب أو استثمار، لكن جوهرها يظل واحدًا، وهو إقناع الضحية بمكاسب عالية ثم دفعه إلى تسليم أمواله.
وأكد أن الوعود بتحقيق عوائد مرتفعة ومضمونة يجب أن تكون جرس إنذار للمستثمر، موضحًا أن القاعدة الأساسية في الاستثمار تتمثل في ارتباط ارتفاع العائد المتوقع بارتفاع مستوى المخاطر، وبالتالي لا يوجد استثمار حقيقي يحقق أرباحًا خيالية بصورة مضمونة ودائمة.
ولفت عبده إلى أن «المستريح» يعتمد بدرجة كبيرة على الثقة الاجتماعية، إذ يبدأ عادة من دائرة صغيرة من الأهل والأصدقاء والمعارف، وقد يلتزم في البداية بسداد الأرباح لعدد محدود من الأشخاص، ما يحولهم إلى وسيلة للدعاية له بعد نجاح تجربتهم الأولى، قبل التوسع في استقطاب أموال جديدة.
وتابع أن أخطر منافس للاستثمار الرسمي ليس المنتجات المالية نفسها، وإنما الوعود السهلة بالثراء السريع، مؤكدًا أن مواجهة الظاهرة لا يجب أن تقتصر على ضبط المحتال بعد وقوع الجريمة، وإنما يجب التركيز على منع ظهور ضحايا جدد.
وأكد عبده أهمية استمرار حملات التوعية المالية بمشاركة الجهات الرقابية والبورصة والبنوك ووسائل الإعلام، مع تبسيط الرسائل لتناسب مختلف شرائح المجتمع، مشيرًا إلى أن إدراج الثقافة المالية ضمن نظام البكالوريا يمثل خطوة مهمة لبناء جيل أكثر وعيًا بالاستثمار.
وفي المقابل، تعكس مؤشرات أداء البورصة المصرية وجود فرص استثمارية فعلية أمام أصحاب المدخرات، إذ حقق المؤشر الرئيسي «إي جي إكس 30» ارتفاعًا بنحو 35.08% منذ بداية العام، بما يعكس قدرة السوق على تحقيق عوائد فعلية للمستثمرين، وإن كانت مرتبطة بطبيعة الاستثمار ومخاطره.
التوعية الاستثمارية يجب أن تصل إلى القرى والصعيد
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن مواجهة ظاهرة «المستريح» تتطلب توسيع نطاق التوعية المالية والاستثمارية لتصل إلى المحافظات، خاصة الصعيد والريف، بدلًا من التركيز على الحملات الموجهة إلى الشرائح الأكثر اتصالًا بالإنترنت أو امتلاكًا للخبرة المالية.
وأضافت حامد أن حملات التوعية التي تنظمها البورصة وشركات السمسرة متاحة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك لا يضمن وصولها إلى جميع الفئات، خاصة في المناطق التي لا يزال الوعي بمفاهيم البورصة وصناديق الاستثمار محدودًا.
وأوضحت أن شركات السمسرة أصبحت أقل احتياجًا إلى الانتشار الجغرافي وافتتاح فروع في المحافظات مع تحول الخدمات الاستثمارية إلى المنصات الرقمية وإمكانية فتح الحسابات إلكترونيًا، ما يجعل التعليم والتوعية أكثر أهمية للوصول إلى الشرائح التي لا تستفيد بصورة كافية من هذه القنوات.
وأشارت إلى أهمية إدخال مفاهيم الاستثمار والثقافة المالية في المناهج الدراسية، خصوصًا بدءًا من المرحلة الثانوية، لضمان حصول الطلاب في المحافظات على المعرفة الأساسية التي تمكنهم من التمييز بين البنوك والبورصة وصناديق الاستثمار.
وأكدت أن نشر الثقافة الاستثمارية يجب ألا يقتصر على الجامعات أو المدارس الدولية والمناطق الحضرية، وإنما يمتد إلى المدارس الحكومية والجامعات في مختلف المحافظات، باعتبارها تضم الشريحة الأكبر من المواطنين.
وأضافت أن البدء في تعليم الشباب مبادئ الاستثمار منذ سن 15 أو 16 عامًا يمكن أن يسهم في بناء وعي مبكر، خاصة مع إتاحة إمكانية فتح حسابات استثمارية لفئات عمرية صغيرة، بما يقلل فرص وقوعهم مستقبلًا في فخ الوعود الاستثمارية الوهمية.
وشددت حامد على ضرورة أن تحظى محافظات الصعيد والمناطق الأقل استفادة من الخدمات المالية بدعم أكبر من المؤسسات التعليمية، لضمان عدم وجود فجوة في الثقافة الاستثمارية بينها وبين المحافظات الأكثر قربًا من المراكز الاقتصادية.
مسعود: غياب التوعية الميدانية يترك المدخرين في القرى فريسة لوعود الثراء السريع
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن مواجهة ظاهرة «المستريح» تتطلب تكثيف حملات التوعية المالية والاستثمارية في القرى والمناطق النائية، مؤكدًا أن دور الجهات الرقابية والبورصة يجب ألا يقتصر على التوعية عبر الإنترنت، وإنما يمتد إلى الوصول للمواطنين على أرض الواقع.
وأضاف مسعود أن الوعي المالي بدأ في الانتشار بصورة أكبر بين الشباب والطلاب حتى سن 30 عامًا، إلا أن انتقال هذا الوعي إلى الأجيال الأكبر يحتاج إلى وقت، موضحًا أن الشباب يمكن أن يمثلوا حلقة وصل لنقل المعرفة الاستثمارية إلى أسرهم ودوائرهم الاجتماعية.
وأوضح أن المواطن أصبح أمام خيارات استثمارية متعددة، سواء من خلال البورصة مباشرة أو صناديق الاستثمار التي تغطي أدوات متنوعة مثل الأسهم والعقارات والذهب، ما يستدعي تعريف المواطنين بهذه البدائل بصورة مبسطة تساعدهم على اختيار الأداة التي تتناسب مع احتياجاتهم الاستثمارية.
وأشار إلى أن شركات السمسرة قد تركز في حملاتها على الشرائح التي تتوقع تحقيق عائد مباشر منها باعتبار أن العميل يمثل مصدرًا للعمولات، بينما لا تنتظر الجهات الرقابية عائدًا مباشرًا من التوعية، وإنما تستهدف زيادة قاعدة المستثمرين ورفع مستوى الوعي المالي.
وأكد أن الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة وشركة مصر للمقاصة مطالبة بتكثيف الحملات الميدانية في المناطق الريفية والنائية، وتقديم المنتجات الاستثمارية للمواطنين بصورة مبسطة، خاصة أن غياب البدائل الرسمية سهلة الفهم قد يدفع البعض إلى اللجوء إلى «المستريح» الذي يقدم وعودًا بعوائد مرتفعة خلال فترات قصيرة.
ولفت إلى أن حملات التوعية يمكن أن تستفيد من نماذج الإعلانات الحكومية المبسطة، مستشهدًا بحملات التوعية الضريبية التي تقدم للمواطن رسائل مباشرة حول ما يجب عليه فعله وما يحقق له مصلحة، مؤكدًا أن الأسلوب نفسه يمكن تطبيقه في التوعية بالاستثمار.
سيد: رفع الوعي بمخاطر التعامل مع الجهات غير المرخصة ليس رفاهية
قال أحمد سيد، العضو المنتدب لشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، إن «المستريح» يمثل أحد أوجه استغلال ظاهرة أكثر اتساعًا تتمثل في الاقتصاد غير الرسمي، مشيرًا إلى ضرورة قراءة الظاهرة في إطار أوسع يتعلق بحجم الأموال والمدخرات التي لا تزال تتحرك بعيدًا عن القنوات المالية والاستثمارية الرسمية.
وأوضح سيد أن انتشار الظاهرة لا يرتبط بفئة اجتماعية أو مستوى تعليمي محدد، إذ يمكن أن يقع ضحاياها من مختلف الشرائح، لافتًا إلى أن الرغبة في تحقيق عائد مرتفع، والثقة في الأشخاص نتيجة أساليب الخداع، وضعف القدرة على تقييم المخاطر، عوامل قد تدفع أي شخص إلى اتخاذ قرارات استثمارية غير محسوبة.
وأضاف أن بعض الحالات قد لا يكون المواطن فيها ضحية بالكامل، إذ قد يدفعه اختياره للتعامل خارج القنوات الرسمية إلى الرغبة في تجنب بعض الالتزامات القانونية، مؤكدًا أن ذلك لا يعفي «المستريح» من مسئوليته الجنائية والمدنية.
وأكد سيد أن استمرار الظاهرة رغم قدمها يرجع إلى تحول الطموح لدى بعض الأفراد إلى رغبة في تحقيق ربح سريع وغير منطقي، ما يجعل المستثمر أكثر استعدادًا لتجاهل المخاطر أو تصديق وعود بعوائد لا تتناسب مع طبيعة الاستثمار.
وأضاف أن التوعية يجب أن تشرح بصورة مبسطة الفرق بين الاستثمار الحقيقي وبين جمع الأموال من المواطنين أو تقديم وعود بعوائد غير منطقية، بما يساعد على رفع قدرة الأفراد على اكتشاف المخاطر قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
وشدد على ضرورة إطلاق حملات توعية مستمرة تصل إلى المواطنين في الأماكن والمنصات التي يتواجدون فيها، بدلًا من الاكتفاء بحملات موسمية تظهر عقب وقوع إحدى القضايا.
وأوضح أن توسيع قاعدة التعامل مع القنوات المالية الرسمية وتعزيز الثقة بها، إلى جانب رفع الوعي بمخاطر التعامل مع الجهات غير المرخصة، يمثلان عنصرين أساسيين في الحد من تدفق المدخرات إلى الأنشطة غير الرسمية وتقليل فرص استغلالها من جانب المحتالين.
إبراهيم: صغار المدخرين الأكثر احتياجًا إلى أدوات استثمار بسيطة
أوضح هشام إبراهيم، العضو المنتدب لشركة تيلدا القابضة، أن أصحاب المدخرات الصغيرة يمثلون الشريحة الأكثر احتياجًا إلى التوعية والاستهداف، خاصة في الريف والأقاليم، باعتبارها من الفئات الأكثر عرضة للوقوع ضحية للممارسات الاستثمارية غير الرسمية، وفي مقدمتها ظاهرة «المستريح».
وأضاف إبراهيم أن زيادة الوعي الاستثماري تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لحماية أصحاب المدخرات الصغيرة، مشيرًا إلى أهمية توفير حلول وأدوات استثمارية رسمية ومبسطة تلائم احتياجات هذه الفئة وتوفر لها بدائل آمنة ومستدامة عن التعامل مع أفراد أو كيانات تعد بعوائد مرتفعة خارج الإطار المالي الرسمي.
وأشار إلى أن الاهتمام بأصحاب المدخرات الصغيرة يجب ألا يقتصر على مبادرات مؤقتة، وإنما يتحول إلى توجه مستمر يستهدف إتاحة فرص استثمارية مناسبة لهم، بما يسهم في حماية مدخراتهم وتحسين أوضاعهم المالية على المدى المتوسط والطويل.
واقترب صافي أصول صناعة صناديق الاستثمار في مصر من حاجز نصف تريليون جنيه بنهاية الربع الثاني من العام الحالي، مدعومة بالأداء الإيجابي للبورصة وارتفاع الطلب على أدوات الاستثمار الجماعي والتوسع في التطبيقات الرقمية لشركات إدارة الأصول.
السمعة الشخصية لا تضمن أمان الأموال
قال إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال هولدنج للاستثمارات المالية، إن ظاهرة «المستريح» لا تقتصر على فئة اجتماعية أو تعليمية بعينها، مشيرًا إلى تعرض موظفين وأصحاب أعمال وأشخاص من مستويات تعليمية مختلفة لعمليات الاحتيال من هذا النوع.
وأوضح أن انتشار الظاهرة قد يكون أسرع في القرى والمناطق التي تتميز بترابط العلاقات الاجتماعية، نظرًا لسهولة انتقال الثقة بين الأفراد واعتماد المواطنين بدرجة كبيرة على المعرفة الشخصية والسمعة داخل المجتمع المحلي.
وأضاف أن «المستريح» لا يظهر للضحايا في البداية باعتباره شخصًا محتالًا، وإنما يقدم عرضًا يبدو مقنعًا، وقد يعمد إلى سداد عوائد فعلية لبعض المستثمرين خلال المراحل الأولى، بهدف بناء الثقة وجذب مزيد من الأموال من خلال دائرة الأقارب والأصدقاء والمعارف.
وأكد رشاد أهمية إطلاق حملات توعية مستمرة وبأسلوب مبسط، تشرح للمواطنين كيفية التحقق من طبيعة النشاط الذي يمارسه أي شخص يعرض عليهم استثمار أموالهم، والتأكد من حصوله على التراخيص اللازمة وممارسته النشاط من خلال إطار قانوني خاضع للرقابة.
ولفت إلى أن الاعتماد على المعرفة الشخصية والثقة في الشخص يمثل أحد أبرز أسباب الوقوع ضحية لهذه النوعية من العمليات، موضحًا أن معرفة الشخص أو تمتعه بسمعة جيدة داخل المنطقة لا تعني بالضرورة أن الأموال التي يتم إيداعها لديه آمنة.
وشدد على ضرورة تغيير ثقافة الاستثمار من الاعتماد على السمعة الشخصية إلى التحقق من طبيعة النشاط والتراخيص والجهة الرقابية التي يخضع لها قبل إيداع أي أموال.
الشربيني: التطبيقات الرقمية توفر بدائل رسمية للاستثمار
قال محمد الشربيني، الرئيس التنفيذي لقطاع إدارة الأصول بشركة إن آي كابيتال، إن ظاهرة «المستريح» لا تستهدف فئة اجتماعية أو تعليمية بعينها، وإنما ترتبط بصورة أكبر بسلوك الباحثين عن تحقيق عوائد مرتفعة وسريعة، دون التحقق بشكل كافٍ من الجهات أو الأشخاص الذين يتعاملون معهم.
وأضاف الشربيني أن الأشخاص الأكثر عرضة للوقوع ضحايا لعمليات الاحتيال هم من يسعون إلى تحقيق أرباح كبيرة خلال فترة قصيرة، مع ضعف التدقيق في طبيعة الفرص الاستثمارية والمخاطر المرتبطة بها.
وأوضح أن رفع مستوى الوعي المالي والاستثماري يمثل أحد أهم الأدوات للحد من انتشار هذه النوعية من العمليات، مشيرًا إلى أهمية توجيه أصحاب المدخرات إلى التعامل مع الجهات المرخصة والخاضعة للرقابة.
وأشار إلى أن حملات التوعية التي نفذتها الهيئة خلال الفترات الماضية تمثل خطوة إيجابية لتعريف الأفراد بالبدائل الاستثمارية الرسمية، وإن كانت هذه الجهود قد لا تصل إلى جميع شرائح المجتمع بالقدر الكافي.
ولفت إلى أن الوصول إلى شرائح جديدة من المدخرين، خاصة في القرى والمناطق خارج المراكز المالية الرئيسية، يمثل أحد الأهداف المهمة لشركات الاستثمار وإدارة الأصول، بالتزامن مع التطور التكنولوجي الذي ساهم في تسهيل وصول الأفراد إلى المنتجات الاستثمارية الرسمية.
وأوضح أن التكنولوجيا أصبحت أداة رئيسية لتوسيع قاعدة المستثمرين، في ظل إمكانية إتاحة خدمات الاكتتاب في صناديق الاستثمار الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية بصورة إلكترونية، بما يسهل على الأفراد الوصول إلى القنوات الاستثمارية الرسمية.
وأضاف أن التوسع في الحلول الرقمية يتيح توفير بدائل استثمارية قانونية وواضحة أمام أصحاب المدخرات، بما قد يقلل من لجوئهم إلى الأشخاص غير المرخصين الذين يقدمون وعودًا بعوائد مرتفعة وغير واقعية.
فايد: المحتال يضرب على وتر الاحتياج والطمع معًا
لا يقتصر تفسير استمرار ظاهرة «المستريح» على ضعف البدائل أو نقص الوعي بالمنتجات المالية، إذ يرتبط جانب كبير منها بالطريقة التي يتخذ بها الأفراد قراراتهم المالية، وتأثير الضغوط المعيشية والرغبة في تحقيق مكاسب سريعة، إلى جانب قوة العلاقات الاجتماعية والثقة الشخصية في اختيار الجهة التي تسلَّم إليها المدخرات.
وقالت سوسن فايد، أستاذ علم النفس الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن انتشار وتكرار جرائم ما يعرف بـ«المستريح» يرجع إلى تشابك عدة عوامل نفسية واجتماعية، يتقدمها ذكاء المحتال وقدرته على استغلال الضغوط الاقتصادية المتزايدة وحالة الاحتياج والرغبة في تحقيق الربح السريع لدى الضحايا.
وأشارت فايد إلى أن تدني مستوى الوعي ونقص التعليم والوعي الاستثماري يضعفان التحصين الثقافي لدى بعض الفئات، مما يجعلهم أكثر عرضة للانجراف خلف تلك الادعاءات وتصديقها دون المطالبة بالضمانات القانونية والمالية الكافية.
النمرسي: «العشم» يحوّل العلاقات العائلية والجيرة إلى أداة في يد المحتالين
وقالت جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، إن ظاهرة «المستريح» لا تقتصر على كونها عمليات احتيال مالي، وإنما تمثل سلوكًا اجتماعيًا مركبًا يتغذى على العلاقات العائلية وشبكات الثقة، إلى جانب ضعف الوعي المالي والضغوط المعيشية التي تدفع بعض المدخرين للبحث عن عوائد مرتفعة.
وأضافت النمرسي أن المستريح التقليدي يعتمد بصورة أساسية على شبكة علاقاته الشخصية كبديل عن الضمانات القانونية والمصرفية، إذ يبدأ عادةً ببناء الثقة من خلال الالتزام بدفع أرباح مرتفعة ومنتظمة للمجموعة الأولى من المودعين، والتي غالبًا ما تضم أقاربه أو جيرانه أو معارفه المباشرين.
وأوضحت أن حصول هذه المجموعة على أرباح فعلية في البداية يحول أفرادها، دون قصد، إلى أدوات ترويج للمحتال، إذ تستند شهاداتهم إلى تجربة حقيقية تتمثل في حصولهم بالفعل على أموال، وهو ما يمنح المستريح مصداقية اجتماعية يصعب اكتسابها بالوسائل التقليدية.
وأضافت أن ما يعرف بثقافة «العشم» والعلاقات القريبة قد يؤدي إلى تراجع الحذر لدى الضحية، خاصة عندما يكون الشخص الذي يجمع الأموال معروفًا للعائلة أو الجيران، فتتحول الثقة الشخصية إلى بديل عن التحقق من طبيعة النشاط أو وجود ضمانات قانونية.
ولفتت إلى أن المقارنة الاجتماعية تمثل عاملًا آخر في انتشار الظاهرة، إذ إن رؤية أحد الجيران أو الأقارب يحقق مكاسب أو يشتري سيارة أو عقارًا نتيجة التعامل مع أحد المستريحين قد تدفع آخرين إلى تقليده، أملًا في تحقيق المستوى نفسه من الأرباح، وهو ما يضعف الحسابات العقلانية للمخاطر.







