تحولت قطاعات الناشئين في كرة القدم المصرية، من منافذ استثمارية إلى مراكز تكلفة تستنزف ملايين الجنيهات سنوياً، بسبب زيادة الأجور المحلية، وغياب الأطر التشريعية واللوائح التنظيمية المرنة التي تسهل إحتراف المواهب مبكراً فى أوروبا.
وتشير الإحصائيات الصادرة من الاتحاد الدولي “الفيفا”، إلى أن الأندية المصرية لم تسجل سوى 8 حالات إنتقال مباشر للاعبين تحت سن 21 عاما إلى الأندية الأوروبية بمختلف درجتها خلال السنوات الست الأخيرة.
في المقابل سجلت الكرة المغربية أكثر من 112 حالة إنتقال مماثلة، بينما تجاوزت الكرة النيجيرية والسنغالية حاجز الـ 190 لاعبا.
وبهذه الإحصائية تتوالى الفجوة فى آليات التسويق الحديثة التى تفتقر إليها المنظومة الرياضية.
قال عمرو علام، خبير ومحاضر الاستثمار الرياضي للبورصة، إن الهيكل المالي للأندية يعاني من التضخم ، إذ يتقاضى الناشئ الصاعد في الأندية الكبرى راتباً سنوياً يتراوح بين 1.5 إلى 3 ملايين جنيه، بمجرد تصعيده للفريق الأول، وهو رقم يتجاوز سقف الرواتب الممنوحة للاعبين المبتدئين في أندية الدرجة الأولى والدوري الممتاز ببلجيكا والبرتغال وسويسرا، التي تعتمد على سقف أجور صارم للاعبين تحت 20 عاماً لا يتجاوز 2,500 يورو شهرياً.
أضاف علام، أن هذا الفارق يجعل الفكرة الاستثمارية لدى اللاعب نفسه غير مجدية مالياً في سنواتها الأولى، ويجعله يفضل الراحة المالية المحلية على مخاطرة التأقلم الخارجي.
وأشار إلى أن اللوائح الداخلية للاتحاد المصري لكرة القدم يغيب عنها شروط الحماية القانونية للموهبة التي تتمثل فى إبرام عقود احتراف طويلة الأمد تصل إلى 5 سنوات مع ناشئين لم يتجاوزوا سن الـ 18 دون وجود شرط جزائى محدد للتصدير الخارجي.
وأوضح علام، أن النموذج المغربي يلزم الأندية بوضع بند يتيح للاعب الخروج لأوروبا فور ورود عرض يتجاوز معايير مالية معينة، مع الاحتفاظ بـ 20% إلى 30% من قيمة إعادة البيع المستقبلي، وهو ما يتنافى مع النموذج المصري.
أكد الخبير الاستثماري، أن هذا الفراغ التنظيمي يدفع إدارات الأندية في مصر إلى تمطيط المفاوضات مع الكشافين الدوليين لحين وصول اللاعب إلى سن الـ 23 أو 24 عاما، مشيرا إلى أنه بذلك سيفقد قيمته الاستثمارية لدى أندية كشافة أوروبا، التي تبحث عن الفئات السنية بين 17 و19 عاماً لضمان إعادة تشكيل اللاعب تكتيكياً ولغوياً بدقة.
شوقى: الأندية تتعامل بمبدأ «الصفقة الواحدة» ونحتاج صندوقاً استثمارياً للتصدير
وقال نادر شوقي، وكيل اللاعبين، إن الأندية المصرية تنظر للبيع على أنه عملية تجارية نهائية بمبدأ “الصفقة الواحدة”، بينما تعتمد الأكاديميات الأفريقية الرائدة على نظام الشراكة الهيكلية.
وأضاف أن هناك أندية أوروبية مثل “ميتز الفرنسي” أو “نوردشيلاند الدنماركي” تمتلك حصصاً تنموية وإدارية في الأكاديميات الأفريقية، عكس الأندية المصرية، مما يسهل الانتقال السلس للاعبيها، إلى جانب توفير البيانات الرقمية، والتتبع المستمر لحالتهم البدنية والفنية عبر المنصات المتقدمة دون الحاجة لفترات معايشة طويلة.
وأقترح وكيل اللاعبين، حزمة من الحلول غير التقليدية، على رأسها تأسيس صندوق استثماري للتصدير الرياضي تحت رعاية اتحاد الكرة ورابطة الأندية، ويعمل على دعم الأندية مالياً فى حال السماح باحتراف ناشئيها بمبالغ رمزية تتراوح بين 200 – 500 ألف يورو مقابل التعويض المباشر من الصندوق حال تحقيق نسبة إعادة البيع مستقبلاً.
وتتضمن التوصيات أيضاً إدراج بند إجباري في العقود الأولى للناشئين يحدد شروط جزائية منخفضة للعروض الأوروبية الخارجية فقط، مع تخفيض نسبة رسوم التوثيق فى الاتحاد للتعاقدات التى تحتوى على هذا البند، إلى جانب استثناء عقود المحترفين بالخارج من ضوابط تجنيد الرياضيين عبر بروتوكولات تنظيمية تتيح للاعب الاستمرار فى مسيرته الاحترافية دون انقطاع، مما يعيد تحويل قطاعات الناشئين في مصر من مراكز تكلفة محلية إلى منافذ حقيقية تضخ العملة الصعبة، وتدعم المنتخبات الوطنية بخبرات عالمية مبكرة.
جاد الله: قطاعات الناشئين تستنزف 50 مليون جنيه سنوياً والعائد 12%
وقال خالد جاد الله، مدير قطاع الناشئين بالنادي المصري، إن متوسط مشاركة الناشئ المصري في الدوري الممتاز قبل سن العشرين لا يتعدى 280 دقيقة سنوياً، نظرًا لشدة المنافسة واعتماد الأجهزة الفنية على عناصر الخبرة لتفادي الضغوط الجماهيرية والإعلامية.
في المقابل يلزم الدوري المغربي أنديته عبر لائحة تنشيطية بمنح اللاعبين الشباب ما لا يقل عن 1,200 دقيقة شهرياً، للمشاركة في الدوري العام، مما يزيد القيمة السوقية للموهبة ويرفع جاهزيتها الفنية في أنظمة الكشافة الرقمية العالمية.
وأضاف جاد الله، لـ”البورصة”، أن التجربة التونسية والمغربية تمثل نموذجاً ناجحاً يُعرف بـ “أكاديميات التصدير المتخصصة” الخالية من الضغوط الجماهيرية، والتي تدار بها المؤسسات ككيانات استثمارية صريحة لا تشارك في منافسات الدرجة الأولى المحلية، بل ترتكز مهمتها على تطوير الموهبة وتصديرها خارج البلاد.
وأشار إلى أن مصر تفتقر لهذا النموذج عملياً بسبب تشريعات الاستثمار الرياضي الحالية،و التي تفرض قيوداً على تأسيس أندية خاصة تقتصر أنشطتها على التسويق الخارجي فقط دون القيد المباشر في درجات الدوري العام بمساراتها التقليدية المكلفة.
وأوضح جاد الله، أن هذه الوضعية المربكة تنعكس مباشرة على الموارد المالية للأندية ذاتها، إذ تستنزف قطاعات الناشئين في كبرى الأندية المصرية ميزانيات سنوية تتراوح بين 30 و50 مليون جنيه ، التي تصرف على قطاعات البراعم، والتغذية، والإقامة، والأجهزة الفنية، دون أن تتعدى 12% من خلال بيع العقود، في حين أن الأكاديميات التصديرية في غرب أفريقيا تحقق نسب أرباح صافية تتجاوز 350% من إجمالي مصروفاتها التشغيلية، بسبب اعتمادها على سياسة البيع السريع بأرقام متوسطة واستغلال نسبة إعادة البيع المستقبلي.
وأشارت مصادر مطلعة داخل اتحاد الكرة لـ”البورصة”، إلى أن الاتحاد يتجه لإقرار حزمة جديدة من اللوائح والبرامج التطويرية الاستثنائية، التي تستهدف دعم وتصدير المواهب الشابة إلى الدوريات الأوروبية، وتوفير بيئة احترافية تتوافق مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا.
وكشفت المصادر أن اتحاد الكرة سيطلق مشروع “بطاقة الموهبة الدولية”، الذي يمنح الناشئين المميزين رخصة احترافية خاصة اعتباراً من سن 16 عاماً. وتتيح للاعبين الخضوع لبرامج تأهيلية مكثفة تعتمد على تعليم اللغات، والإعداد النفسي والتكتيكي المعاير من “الفيفا”، لتهيئة الناشئين مبكراً لمتطلبات الاحتراف الخارجي.
أضافت أن هناك تعديلات جوهرية على نظام الإعارات الخارجي، خلال لائحة معدلة للأندية تسمح بإعارة عدد غير محدد من اللاعبين دون 21 عاماً إلى أندية أوروبية.
وتتضمن المبادرة مساهمة الاتحاد في تغطية جزء من تكاليف التأمين الطبي والمعيشي للاعبين بالخارج، باعتبار ذلك استثمارا استراتيجيا طويل الأجل يعود بالنفع على المنتخبات الوطنية.
وأشارت المصادر، إلى أن المبادرة تتضمن تدشين شبكة كشافين وطنيين، عبر منصة رقمية موحدة تربط جميع دوريات الجمهوريات والقطاعات، وتوفر هذه الشبكة قاعدة بيانات شاملة للتحليلات البدنية والتكتيكية للاعبين الموهوبين، مما يتيح للأندية العالمية والأجهزة الفنية متابعة أدائهم وتقييمهم بشكل مباشر عبر تقنيات تحليل البيانات الحديثة.








