“هناك من يحذر من أن الذكاء الاصطناعى قد ينتزع وظائفنا، بل وقد قضى على البشرية”
يبدو أن مارك زوكربيرج أمسك بطرف الخيط.
فبعد النجاح الكبير الذى لاقاه إطلاق شركة “ميتا بلاتفورمز” لمساعدها الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعى “ميوز”، كشف زوكربيرج مساء الأربعاء عن المرحلة التالية: قلادة شبيهة بلعبة “تاماجوتشى”، تتيح التفاعل مع المساعد اللطيف أينما ذهب المستخدم، ومن المقرر طرحها قبل عيد الميلاد.
استعرض مارك جورمان من “بلومبرج” بعض ميزات “ميوز تشارم”، قائلاً: “تظهر شخصية “ميوز” الافتراضية في وسط الشاشة، ويمكن للمستخدم تصميم مظهرها وملابسها وصوتها وسمات أخرى.
يُمكن ارتداء هذا الجهاز حول المعصم، أو وضعه فى الجيب، أو تعليقه بحقيبة أو سلسلة مفاتيح بواسطة رباط.
ويأتي الجهاز أيضاً بغلاف شفاف يكشف الدوائر الإلكترونية الداخلية من الخلف والجوانب.
وكيل الذكاء الاصطناعى فى أيدى المستهلك العادى
ثم تأتى ما أعتقد أنها الورقة الرابحة، إذ يمكن لمُستخدمَين يحملان جهازي (ميوز تشارم) السماح للجهازين بالتعرف إلى بعضهما والتفاعل معاً بمجرد اقترابهما.
فكرة لطيفة حقاً! فزوكربيرج، الذي لطالما سخر منه البعض في السابق لظهوره كروبوت بعيد عن الواقع ومهووس بالتكنولوجيا، نجح مع مساعد “ميوز” في تقديم تجربة مختلفة ميّزت شركته بالفعل عن منافسيها، وربما دفعت بعضهم إلى المسارعة لإعادة النظر في استراتيجياتهم.
ربما يكون ألكسندر وانج سر نجاح “ميتا”.
فالرجل الذي كان تعيينه حديث وادي السيليكون العام الماضي، يقود جهود الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأتوقع أن يقود “ميتا” بأكملها يوماً ما.
وخلال مؤتمر الشركة للمطورين يوم الأربعاء، لخّص وانج ما حققته “ميتا” بدقة عندما قال: “قبل نحو ستة أشهر فقط، كان تشغيل وكيل شخصي على جهاز الكمبيوتر الخاص بك كافياً لوضعك في خانة المهووسين تماماً بالذكاء الاصطناعي”.
أما اليوم، فبعد صقل التقنية وإضافة لمسات تجعلها أكثر جاذبية للمستخدم العادي، بات “ميوز” لوكلاء الذكاء الاصطناعي أشبه بما كان عليه “أيبود” لمشغلات “إم بي 3”: تقنية موجودة بالفعل، أعيد تقديمها بصورة أنيقة ومبتكرة، فنجحت في جذب الجمهور العادي.
ونقل هذه التقنية من عالم المهووسين بالذكاء الاصطناعي إلى عامة المستخدمين قد يجلب مكاسب هائلة.
سباق التكنولوجيا وعقبة الثقة
كان إطلاق “أيبود” بحيويته وزخمه بداية ولادة جديدة لشركة “أبل”.
وقد يفعل “ميوز” الشيء نفسه مع “ميتا”، سواء استُخدم عبر الهاتف الذكي أو النظارات أو جهاز “تشارم”.
لكن الأمر لا يخلو من تحديات، فأفضلية “ميوز” كونه السبّاق لن تدوم طويلاً، إذ ينكب مهندسو “أوبن إيه آي” على تطوير منافس له، فيما بدأ أخيراً طرح “سيري” المدعوم بالذكاء الاصطناعي على هواتف “أيفون”، ويبدو واعداً للغاية.
كما أن السحر قد ينقلب على زوكربيرج هذه المرة؛ إذ يمكن للشركات صاحبة منتجات الذكاء الاصطناعي الأكبر أن تنظر ببساطة إلى ما فعله مع “ميوز” وتنسخ أفضل أفكاره.
ثم تبرز عقبة أخرى يمكن تسميتها “سقف الثقة” بـ”ميتا”، أي الحد الذي لا يعود بعده المستخدمون مستعدين لمنح الشركة مستوى الوصول الذي يحتاج إليه أي وكيل ذكاء اصطناعي ليؤدي دوره بفاعلية.
فـ”ميتا” تطلب من مستخدميها اليوم أن يضعوا فيها ثقة أكبر من أي وقت مضى، وبعضهم سيرفض ببساطة.
لكن السؤال: كم يبلغ عدد هؤلاء؟
تشير نتائج استطلاع أجرته “جالوب” في يونيو إلى أن ثقة المستهلكين بشركات التكنولوجيا الكبرى منخفضة وتواصل التراجع.
كما جاءت “ميتا” في أحدث تصنيف “هاريس بول 100″ في ذيل القائمة تقريباً من حيث السمعة لدى البالغين الأمريكيين، محتلة المرتبة 96، مقابل المرتبة 16 لـ”أنثروبيك”، و20 لـ”أبل”، و22 لـ”ألفابت”.
“ميوز”.. رهان “ميتا” على نموذج أعمال جديد
مع ذلك، يستخدم 3.6 مليار شخص أحد تطبيقات “ميتا” يومياً، ويبدو أن الأسلوب المرح الذي اختارته الشركة لتقديم “ميوز” يلقى صدى مختلفاً عن النبرة القاتمة التي تطغى على خطاب بعض شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى.
فهناك من يحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد ينتزع وظائفنا، بل وربما يقضي على البشرية بأكملها.
أما “ميوز”، فيقدم صورة مختلفة، أقرب إلى ما عبّرت عنه الكاتبة جوانا ماتشييفسكا عام 2024 بقولها: “أريد من الذكاء الاصطناعي أن يغسل ملابسي وأطباقي كي أتفرغ للفن والكتابة، لا أن يتولى الفن والكتابة عني بينما أقوم أنا بغسل الملابس والأطباق”.
لا يستطيع “ميوز” غسل الأطباق بعد، لكن فائدته فى تولي المهام اليومية تتوسع يوماً بعد يوم، وكل مهمة تفتح أبواباً جديدة لـ”ميتا” لتحقيق أرباح طائلة.
فما مكّن “أيبود” من إحداث تحول جذري في مسيرة “أبل” لم يكن الجهاز وحده، بل نموذج الأعمال الجديد الذي أتاحه من خلال “آيتونز”، متجر الموسيقى الرقمية الذي جمع المحتوى في مكان واحد وربط المستخدمين بمنظومة “أبل”، فيما حصلت الشركة على حصة من المبيعات انتزعتها بعد مفاوضات شاقة.
ومهّدت “آيتونز” لاحقاً لظهور “متجر أبل”، الذي وسّع النموذج نفسه ليشمل مختلف أنواع السلع الرقمية، وساهم في تحويل “أبل” إلى أغنى شركة في العالم.
تبدو “ميتا” في موقع يُؤهلها لتكرار هذه التجربة، وإن كانت المنافسة هذه المرة أشد.
وقال زوكربيرج خلال عرضه أمام المطورين يوم الأربعاء: “مع مُرور الوقت، سنحقق أرباحاً عبر اقتطاع رسم بسيط من التعاملات” التي تُجرى من خلال “ميوز”.
وفي الخلفية، ظهرت على الشاشة بأحرف ضخمة عبارة: “ميوز يُدرّ عليك المال”.
للمرة الأولى في تاريخ “ميتا” الممتد 22 عاماً، تتطلع الشركة إلى نموذج أعمال جديد قد يتجاوز نموذجها الحالي، يعتمد على اشتراكات الذكاء الاصطناعي وحصة من المعاملات التي تُنفذ عبره ومبيعات الأجهزة.
فاليوم، تُشكل الإعلانات 98% من إيرادات “ميتا”، لكن كيف قد تتغير هذه المعادلة بعد عامين إذا نجح “ميوز” بالفعل في أن يُصبح أول وكيل ذكاء اصطناعي يحقق انتشاراً واسعاً بين المستهلكين؟








