لم يعد تسعير الدواء مجرد عملية حسابية لتحديد الرقم المدون على العبوة، وإنما أصبح جزءًا من بيئة الاستثمار فى صناعة ترتبط تكلفتها بسعر الصرف والتضخم والفائدة، وتعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الخامات ومدخلات الإنتاج.
ومن هنا تأتى أهمية منظومة التسعير الجديدة التي أقرتها هيئة الدواء المصرية، بعد نحو 14 عامًا من آخر إطار منظم للتسعير، في محاولة لإعادة مواءمة قواعد السوق مع المتغيرات التى شهدتها الصناعة والاقتصاد خلال السنوات الماضية.
المعادلة الجديدة تضع 60% لسعر الصرف، و30% للتضخم، و10% لسعر الفائدة، مع إمكانية مراجعة الأسعار فى الاتجاهين، بالزيادة أو التخفيض، وتحديث بيانات التكلفة الفعلية كل 6 أشهر.
اللافت هنا أن المراجعة نصف السنوية لا تعني زيادة الأسعار بصورة تلقائية، وإنما تمثل دورة لإعادة احتساب المتغيرات الاقتصادية وتحديد مدى الحاجة إلى إعادة النظر في السعر، كما أن تحريك السعر بالزيادة أو التخفيض يرتبط بشروط محددة، من بينها وصول نتيجة المعادلة إلى 10% على الأقل واستمرار المتغيرات المؤثرة لمدة لا تقل عن 45 يومًا.
وهذا التحول مهم لصناعة الدواء، لأن ربط التسعير بمجموعة من المتغيرات بدلًا من الاعتماد على عامل واحد يمنح المنظومة مساحة أكبر للتعامل مع طبيعة الصناعة وتغير تكلفتها.
سعر الصرف، على سبيل المثال، لا يؤثر فقط فى تكلفة الخامات المستوردة، وإنما يمتد تأثيره إلى المعدات وخطوط الإنتاج والاستثمارات الجديدة، بينما يضغط التضخم على مختلف بنود التكلفة، وتنعكس أسعار الفائدة على تكلفة تمويل المشروعات والتوسعات.
وبالتالي، فإن وجود معادلة تجمع هذه العناصر يضع الاستثمار داخل حسابات التسعير بصورة أكثر وضوحًا.
الاستثمار يحتاج إلى قواعد يمكن توقعها
المستثمر في صناعة الدواء لا يبحث فقط عن سعر بيع يغطي تكلفة الإنتاج، وإنما يحتاج إلى معرفة القواعد التي سيعمل وفقها خلال السنوات المقبلة.
وهنا تكتسب آلية المراجعة الدورية أهميتها، لأنها تتيح إطارًا محددًا للتعامل مع التغيرات الاقتصادية بدلًا من ترك الشركات أمام تغيرات مفاجئة فى التكلفة دون آلية واضحة لإعادة النظر فى الأسعار.
كما أن تحديث قائمة التكلفة الفعلية لدى المصنعين والمستوردين كل 6 أشهر، من خلال عينات تحددها الهيئة مع تغيير 50% من العينة في كل دورة، يربط عملية المراجعة بصورة أكبر بالبيانات الفعلية للصناعة.
لكن القيمة الحقيقية للمنظومة ستظهر في قدرتها على تحويل وضوح القواعد إلى استثمارات فعلية، سواء في خطوط إنتاج جديدة أو زيادة الطاقة الإنتاجية أو نقل التكنولوجيا أو التوسع في التصنيع المحلي.
التوطين يبدأ من معادلة التسعير
الجزء الأكثر ارتباطًا بالاستثمار يظهر في التعامل مع المستحضرات الجديدة والمبتكرة والتصنيع المحلي.
فالاعتماد على السعر المرجعي الخارجي لم يعد قائمًا على سعر بيع الجمهور، وإنما على سعر بيع المصنع في الدول المرجعية، مع الاستناد إلى أقل سعر بيع مصنع بين الدول المرجعية في الحالات التي يطبق فيها التسعير المرجعي.
وهذه النقطة تحمل أهمية اقتصادية؛ لأن المقارنة بسعر المصنع تجعل المرجعية أقرب إلى التكلفة والسعر الحقيقي للمنتج قبل إضافة هوامش التوزيع والصيدليات والضرائب المطبقة فى الدول الأخرى.
كما أن إعادة تصميم سلة الدول المرجعية لتضم أسواقًا أسرع في إتاحة المستحضرات المبتكرة تقلل من مشكلة انتظار سنوات حتى تتوافر مرجعية سعرية لدواء حديث.
وبالنسبة للشركات العالمية، فإن سرعة ووضوح آلية التسعير يمثلان عاملًا في قرار طرح المنتج في مصر من الأساس، أو الانتقال خطوة أبعد نحو التصنيع المحلي.
وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية: حماية سعر المستحضر الأصيل المستورد عند توطين تصنيعه محليًا لمدة لا تقل عن 5 سنوات من تاريخ تداول العبوات المصنعة محليًا.
هذه الحماية يمكن أن تغير حسابات الشركات؛ فالتصنيع المحلي يحتاج إلى استثمارات في خطوط الإنتاج والتكنولوجيا والتشغيل وسلاسل الإمداد، وبالتالي فإن وجود فترة مستقرة نسبيًا للسعر يمنح الشركة مساحة أكبر لاسترداد تكلفة الاستثمار وبناء نموذج إنتاج محلي.
ومن ثم، فإن التسعير لا يصبح مجرد أداة لضبط سعر الدواء، وإنما يتحول إلى إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لدعم قرار التوطين.
المنافسة بين خفض السعر واستدامة الإنتاج
في المقابل، فإن زيادة عدد البدائل والمثائل العلاجية تفرض معادلة مختلفة.
تسعير المثائل بأسعار أقل من المستحضر الأصيل يفتح المجال أمام المنافسة ويمنح المريض خيارات أكثر، لكن المنافسة السعرية تحتاج إلى الحفاظ على جدوى الإنتاج حتى لا تتحول الأسعار المنخفضة إلى ضغط على الشركات المنتجة أو سبب في تراجع الاستثمارات.
ومن هنا تبدو أهمية إتاحة مراجعة الأسعار في الاتجاهين.
فإذا ارتفعت التكلفة بصورة مؤثرة، توجد آلية لإعادة النظر في السعر وفق ضوابط محددة، وإذا انخفضت المتغيرات الاقتصادية واستمرت بالشروط المحددة، يمكن خفض الأسعار.
هذا الاتجاه يختلف عن نموذج التسعير الجامد؛ لأنه يفترض أن السعر متغير تابع لظروف اقتصادية وإنتاجية يمكن أن تتحرك صعودًا وهبوطًا.
الاختبار الحقيقى يبدأ بعد إصدار القرار
في النهاية، لا يمكن الحكم على منظومة التسعير الجديدة من خلال عدد الأسعار التي سترتفع أو تنخفض فقط.
الاختبار الحقيقى سيكون فى مؤشرات أوسع: حجم الاستثمارات الجديدة فى صناعة الدواء، عدد المصانع وخطوط الإنتاج التى تدخل الخدمة، معدلات التوطين ونقل التكنولوجيا، سرعة طرح المستحضرات المبتكرة، نمو البدائل والمثائل، واستدامة توافر المنتجات في السوق.
كما أن قدرة الشركات على بناء خطط استثمار طويلة الأجل ستظل مؤشرًا رئيسيًا على مدى نجاح المنظومة فى خلق بيئة تنظيمية أكثر وضوحًا.
فصناعة الدواء لا تحتاج فقط إلى آلية لتحديد السعر، وإنما تحتاج إلى معادلة تحقق توازنًا بين حق المريض في الحصول على العلاج، واستدامة الإنتاج، وجاذبية الاستثمار، وزيادة التصنيع المحلي.
وعندما يصبح سعر الدواء قابلًا للقراءة في ضوء هذه العناصر مجتمعة، فإن منظومة التسعير تتجاوز دورها التقليدي كأداة رقابية، لتصبح جزءًا من سياسة أوسع لإدارة سوق الدواء ودعم الصناعة والاستثمار والتوطين.








