تثير التوجهات الرامية إلى تنظيم التدفقات النقدية للمشروعات العقارية وفصل الحسابات المالية لكل مشروع، تساؤلات بشأن قدرة المطورين على مواصلة التوسع وإطلاق مشروعات جديدة، في ظل اعتماد شريحة واسعة من الشركات على مقدمات العملاء والأقساط في تمويل شراء الأراضي واستكمال أعمال التنفيذ.
ويرى خبراء بالقطاع أن تطبيق هذه الضوابط، دون توفير بدائل تمويلية ومراعاة اختلاف القدرات المالية بين الشركات قد يضغط على السيولة، خاصة لدى المطورين الصغار والمتوسطين، بينما يطرحون التوسع في التمويل العقاري وصناديق الاستثمار العقاري باعتبارهما من الأدوات الممكنة لتقليل الاعتماد على التدفقات النقدية من مبيعات المشروعات الجديدة.
القاضي: تمويل الأراضي ذاتيًا قد يرفع الأسعار ويحد من المعروض
قال محمد القاضي، الرئيس التنفيذي لشركة نورم للاستشارات العمرانية، إن تنظيم السوق العقاري يتطلب تحقيق التوازن بين حماية أموال المشترين والحفاظ على آليات التمويل التي يعتمد عليها المطورون، محذرًا من أن إلزام الشركات بسداد قيمة الأراضي من مواردها الذاتية بدلًا من الاعتماد على التدفقات النقدية للمشروعات قد يرفع الأسعار ويحد من المعروض.
وأضاف أن شريحة كبيرة من الشركات تعتمد على مقدمات العملاء والأقساط في تمويل شراء الأراضي وتنفيذ المشروعات، في ظل محدودية التمويل المصرفي المباشر لأعمال البناء، ما يجعل فرض قيود تمويلية إضافية عاملًا مؤثرًا في قدرة المطورين على التوسع.
وأوضح القاضي، أن زيادة الاعتماد على الموارد الذاتية أو الاقتراض قد ترفع تكلفة التمويل، بما ينعكس على أسعار الوحدات، مشيرًا إلى أن نموذج التطوير العقاري القائم على البيع على الخارطة يتيح للشركات تنفيذ مشروعات تتجاوز حجم السيولة المتاحة لديها.
وحذر من أن اشتراط تمويل قيمة الأراضي بالكامل من الموارد الذاتية قد يمثل تحديًا كبيرًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على مبيعات مشروعاتها لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال التنفيذ وبدء مشروعات جديدة.
وطالب القاضي بتوسيع فرص التمويل العقاري للوحدات الجاهزة، بما يتيح للمطور الحصول على قيمة الوحدة عند التسليم، ويتولى الممول تقسيط ثمنها للمشتري على فترات طويلة، الأمر الذي يسرع دورة رأس المال ويسمح بإعادة استثمار حصيلة المبيعات.
وأشار إلى أن التوسع في صناديق الاستثمار العقاري يمكن أن يوفر مصادر سيولة إضافية للشركات، مقترحًا دخول الصناديق بحصص تتراوح بين 30% و50% من المشروعات، بما يقلل الاعتماد على مقدمات العملاء والأقساط ويحد من الضغوط البيعية التي تدفع المطورين إلى تقديم تسهيلات طويلة الأجل أو تخفيضات سعرية لتسريع المبيعات.
ولفت إلى أن صعوبة تسجيل الأراضي في بعض الحالات تحد من استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من التمويل العقاري، ما يستدعي تهيئة الأوضاع القانونية للأراضي وتوسيع فرص التمويل، إلى جانب منح المطورين المصنفين ضمن الفئات الصغيرة والمتوسطة مدد سداد أطول وتيسيرات مناسبة عند تخصيص الأراضي، بما يساعدهم على التوسع تدريجيًا.
عبدالمنعم: اختلاف الملاءة المالية يفرض مراعاة تفاوت قدرات الشركات
من جانبه، قال إبراهيم عبدالمنعم، رئيس مجلس إدارة شركة كونسالتنج للتسويق العقاري، إن معظم الشركات العقارية تعتمد على السيولة المتولدة من مبيعات المشروعات الجديدة لتغطية احتياجات مشروعات قائمة، سواء لاستكمال التنفيذ أو مواجهة نقص السيولة، ما يجعل تقييد استخدام هذه الأموال تحديًا أمام الشركات التي لا تمتلك ملاءة مالية كافية.
وأوضح أن الشركات الكبرى قد تكون أكثر قدرة على التعامل مع الضوابط الجديدة بفضل ملاءتها المالية وتعدد مشروعاتها، بينما تواجه الشركات الصغيرة صعوبة في توفير التمويل اللازم بالتزامن مع سداد أقساط الأراضي والرواتب والإيجارات وتكاليف التشغيل.
وأشار عبدالمنعم، إلى أن أقساط الأراضي تمثل أحد أبرز الضغوط التمويلية على الشركات الصغيرة، إذ قد تصل الالتزامات المستحقة إلى 25 أو 30 مليون جنيه شهريًا أو كل شهرين، وفقًا لمساحة الأرض وشروط السداد، ما يجعل استمرار المبيعات وتدفق السيولة عنصرًا أساسيًا للحفاظ على سير العمل.
وحذر من أن تطبيق ضوابط صارمة دون مراعاة اختلاف القدرات التمويلية قد يؤدي إلى خروج بعض المطورين الصغار من السوق أو دفع شركات إلى الاندماج لمواجهة متطلبات التمويل والتنفيذ، مؤكدًا أهمية ربط ضوابط الإنفاق بمعدلات الإنجاز الفعلي مع مراعاة الاحتياجات التمويلية للشركات، بما يضمن حماية أموال المشترين دون تعطيل المشروعات القائمة أو الحد من إطلاق مشروعات جديدة.
خطاب: 99% من المطورين يعتمدون على مقدمات العملاء في تمويل المشروعات
وقال محمد خطاب، استشاري التطوير العقاري، إن تطبيق نظام الحسابات المستقلة لكل مشروع، وتوجيه التدفقات النقدية إلى المشروع المخصصة له، قد يؤدي إلى تغييرات واسعة في آليات عمل السوق، ويؤثر على إطلاق مشروعات جديدة إذا طُبق دون معالجة الاختلالات التمويلية القائمة.
وأضاف أن نحو 99% من المطورين العقاريين يعتمدون على التدفقات النقدية الناتجة عن المبيعات في تمويل مشروعاتهم، وفقًا لتقديره، في ظل انتشار نموذج البيع على الخارطة الذي اعتمدت عليه الشركات لسنوات طويلة.
وأوضح خطاب، أن بعض الشركات تدير عدة مشروعات بالتوازي، وتعتمد على التدفقات النقدية من المشروعات الأكثر مبيعًا أو ربحية لاستكمال مشروعات أخرى تواجه خسائر أو تعثرًا في التحصيل، ما قد يخلق فجوات تمويلية حال فصل الحسابات المالية دون فترة انتقالية أو حلول لمعالجة أوضاع المشروعات القائمة.
وأشار إلى أن تطبيق الضوابط على المشروعات الجديدة قد يعزز الانضباط المالي، لكنه قد يرفع متطلبات دخول السوق أمام الشركات الجديدة، فضلًا عن الضغط على الشركات القائمة التي بنت خططها التمويلية على آليات العمل الحالية.
ولفت خطاب، إلى أن المطورين سيحتاجون في ظل النظام الجديد إلى زيادة رؤوس أموالهم أو اللجوء إلى الاقتراض، إلا أن تمويل المشروعات العقارية تحت الإنشاء يواجه تحديات، خاصة في ظل استمرار الالتزامات المالية على الأراضي أو بيع نسبة كبيرة من الوحدات قبل اكتمال التنفيذ.
وأضاف أن البدائل التمويلية المتاحة لا تزال محدودة، باستثناء التحالفات بين الشركات لتوزيع المخاطر والأعباء والأرباح، محذرًا من أن اشتراط ملاءة مالية أكبر قبل إطلاق المشروعات قد يدفع المطورين إلى إعادة حساباتهم وتأجيل خطط التوسع.
وشدد خطاب على ضرورة تنظيم السوق من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات تبدأ بتخصيص الأراضي للمطورين وفقًا لخبراتهم وسابقة أعمالهم وقدراتهم المالية، بعد تقييم قدرتهم على التنفيذ والوفاء بالتزاماتهم.
وطالب بعدم السماح بطرح المشروعات للبيع قبل استيفاء المستندات القانونية اللازمة وسداد الالتزامات المستحقة على الأراضي، معتبرًا أن هذه الإجراءات، بالتوازي مع تنظيم التدفقات النقدية، يمكن أن تحد من المشكلات وتحمي حقوق المشترين.
كما حذر من تطبيق نظام الحسابات المستقلة بأثر رجعي على المشروعات القائمة، لما قد يترتب عليه من اضطراب في التدفقات النقدية وتعثر بعض الشركات، مؤكدًا ضرورة تحديد آلية وتوقيت التطبيق وفقًا لطبيعة كل مشروع، مع مراعاة الأوضاع القائمة وتوفير فترة انتقالية تتيح للمطورين التكيف مع الضوابط الجديدة.








