تبرز عمليات سحب السيولة في العطاءات المفتوحة، كواحدة من أهم الأدوات النقدية الكمية والمباشرة التي تستخدمها البنوك المركزية لإعادة التوازن إلى الأسواق، إذ تستهدف هذه الآداة كبح التوسع الائتماني المفرط من خلال امتصاص فائض الأموال لدى البنوك التجارية، مما يرفع تكلفة الاقتراض ويحفز الادخار، وبالتالي يقل الطلب الكلي على السلع والخدمات وتنخفض وتيرة التضخم.
وقال خبراء مصرفيون، تحدثوا لـ”البورصة”، إن قفز قيمة عطاءات السوق المفتوحة الأسبوعية لدى البنك المركزي المصري يعكس وجود فائض سيولة نقدية قوي في السوق المحلية، مؤكدين أن “المركزي المصري” يوازن بين عطاءات السوق المفتوحة وأسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، باعتبارهما أدوات نقدية، تحوطًا من تداعيات التوترات الخارجية السياسية والجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
وسجلت عطاءات ودائع السوق المفتوحة بالبنك المركزي المصري قفزة ملحوظة خلال الأسبوع الماضي مُحققة أعلى قيمة لها منذ بداية 2026، بعدما ارتفعت قيمة السيولة التي ربطتها البنوك لدى المركزي إلى نحو 609.74 مليار جنيه، في عطاء الثلاثاء الماضي، مقابل 285.33 مليار جنيه في عطاء الأسبوع السابق، بزيادة بلغت 324.42 مليار جنيه، وبنسبة نمو وصلت إلى 113.7%.
وكان البنك المركزي قد أقر في أبريل 2024 قبول كامل السيولة المعروضة من البنوك في عطاءات السوق المفتوحة، ضمن أدواته لامتصاص المعروض النقدي والحد من الضغوط التضخمية، التي بلغت ذروتها في فبراير من العام نفسه عند 35.7%.
وتعكس هذه الزيادة ارتفاع حجم السيولة التي وظفتها البنوك لدى البنك المركزي من خلال آلية السوق المفتوحة، في تطور لافت مقارنة بالعطاءات السابقة، خاصة مع زيادة عدد البنوك المشاركة إلى 16 بنكًا، مقابل 11 بنكًا في عطاء 13 أكتوبر، وفقًا للبيانات المنشورة عن نتائج العطاءين.
ويأتي ارتفاع حجم العطاء في وقت تراقب فيه السوق المصرفية توجهات البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة، لكن من المهم التمييز بين أدوات إدارة السيولة وقرارات السياسة النقدية المتعلقة بأسعار العائد الأساسية.
سليمان: ارتفاع الأسعار يدفع “المركزي” لتنويع أدواته النقدية
قال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إنه حين ترتفع الضغوط على الأسعار، تتنوع الأدوات النقدية لدى البنك المركزي بين رفع أسعار الفائدة، لجذب أصحاب رؤوس الأموال نحو إيداع مدخراتهم لدى البنوك مع تقديم عوائد دورية مُرضية للحد من القوة الشرائية والسيطرة على الأسعار. كما يبرز دور عطاءات السوق المفتوحة لدى البنك المركزي باعتبارها أحد الأدوات لتحجيم الفائض النقدي.
أضاف أن الأوضاع الخارجية تعتبر ضبابية إلى حد كبير. وتغيير أسعار الفائدة محليًا يتطلب الحذر، ما دفع عطاءات السوق المفتوحة للقفز وسحب المركزي لقيم ضخمة بهدف امتصاص فائض السيولة بالسوق المحلية وبالتالي السيطرة على الأسعار والتضخم.
أكد سليمان، أن “المركزي” يستطيع إدارة كمية السيولة المتاحة داخل البنوك، بما يعزز أثر قراراته دون الحاجة إلى زيادة جديدة في الفائدة.
وأضاف أن عطاءات السوق المفتوحة تُظهر أن سعر الفائدة لم يكن كافيًا وحده لضمان تأثيره على المؤشرات الاقتصادية، وإنما كذلك تكمن الأهمية في حجم السيولة الفائضة بصورة كبيرة، إذ تجد البنوك نفسها قادرة على إقراض بعضها بأسعار أقل، فتضعف قوة انتقال السياسة النقدية إلى السوق.
وتابع: “هنا يتدخل المركزي لامتصاص الفائض، والحفاظ على اقتراب سعر العائد الفعلي بين البنوك من سعر العملية الرئيسية، وهو الهدف التشغيلي الذي يعلنه لإدارة السيولة، لضمان عمل القطاع المصرفي بكفاءة أكبر، دون أن يستدعي كل فائض في السيولة رفعًا جديدًا في التضخم”.
أشار سليمان، إلى أن رفع الفائدة على نطاق واسع قد يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد وأعباء تمويل النشاط الاقتصادي. أما ربط الودائع، فيتيح التعامل مباشرةً مع فوائض السيولة المصرفية، بحسب حجمها وتطورها من أسبوع إلى آخر.
وشدد على أن سحب السيولة يظل أداة مكملةً لسعر الفائدة ويعتمد على العائد الذي يحدده “المركزي” لجذب تلك الفوائض.
وقال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إن علاقة العطاءات بالتضخم تبدأ من منع السيولة الزائدة من إضعاف السياسة النقدية وتشجيع توسع مفرط في التمويل والطلب، فكلما نجح “المركزي” في ضبط السيولة والحفاظ على تأثير الفائدة، زادت قدرته على تهدئة الضغوط النقدية التي قد تغذي ارتفاع الأسعار .
أضاف أن تقييم نجاح المركزي في تنشيط هذه الآلية يتجاوز ضخامة الأموال التي يستوعبها؛ ليشمل مدى استقرار أسعار التعامل بين البنوك، وقوة انتقال السياسة النقدية، وتطور التضخم بمرور الوقت.
النعماني: أتوقع استمرار تباين قيم العطاءات وفقًا لحجم السيولة المتاحة
وقال أحمد النعماني، الخبير الاقتصادي، إن قفز قيمة عطاءات السوق المفتوحة الأسبوع الماضي يعكس زيادة ملحوظة في حجم السيولة والفوائض النقدية لدى البنوك، نتيجة حركة الودائع والمدفوعات والتسويات واستحقاقات التوظيفات السابقة.
أضاف أنه من المبكر اعتبار هذه القفزة اتجاهًا مستدامًا، أو الجزم بأنها زيادة استثنائية، قبل متابعة نتائج العطاءات المقبلة، بل توقع استمرار التباين في قيم العطاءات خلال الفترة المقبلة، وفقًا لحجم السيولة المتاحة لدى البنوك واحتياجاتها التشغيلية.
وأكد أن نتائج الأسابيع المقبلة ستكون هي الفيصل؛ فاستمرار القيم المرتفعة سيشير إلى وجود فوائض كبيرة قابلة للتوظيف، بينما تراجعها قد يعكس ارتباط الزيادة الأخيرة بظروف مؤقتة.
أبوالخير: عائد ودائع السوق المفتوحة يعد جاذبًا ومنافسًا للبدائل الاستثمارية
وقال أحمد أبوالخير، الخبير المصرفي، إن زيادة القيم المسحوبة عبر العطاءات الأسبوعية تعتبر تطورًا لافتًا، وتكتسب هذه القفزة أهمية إضافية باعتبارها أكبر عملية سحب منذ بداية العام.
أضاف أن تفسير هذا الارتفاع لا ينبغي أن يقتصر على حجم العطاء وحده، بل يتطلب النظر إلى تطورات السيولة المتاحة لدى البنوك، واحتياجاتها التشغيلية والاستثمارية، وتوجهات السياسة النقدية، وطبيعة مشاركة البنوك في كل عطاء.
وأوضح أبوالخير، أن ارتفاع الأرصدة النقدية المتاحة لدى البنوك أصبح يتجاوز احتياجاتها التشغيلية والتمويلية، الأمر الذي يدفعها إلى توظيف جانب من هذه الأموال لدى البنك المركزي بعائد معلوم ولأجل قصير، وقد يرتبط ذلك بتوقيت التدفقات النقدية، أو استحقاق استثمارات سابقة، أو تحركات الودائع والتحويلات وتسويات المدفوعات.
أضاف أن العائد الثابت البالغ 19.5% يمثل أحد العوامل المؤثرة في قرارات التوظيف، حيث يتيح للبنوك استثمار أموالها لفترة قصيرة بعائد محدد، مع الحفاظ على وضوح نسبي بشأن موعد استردادها.
وتابع: “تزداد جاذبية هذه الآلية إذا كان العائد منافسا للبدائل الاستثمارية المتاحة، بعد مراعاة آجال الاستثمار واحتياجات السيولة والمخاطر”.
وأكد أبو الخير، أن استمرار العطاءات عند مستويات تتجاوز 600 مليار جنيه يظل احتمالًا مرتبطًا بمدى استدامة العوامل التي دفعت البنوك إلى زيادة عروضها، فإذا كانت القفزة ناتجة عن تدفقات نقدية أو استحقاقات استثمارية مؤقتة، فقد تتراجع القيم اللاحقة مع إعادة توجيه الأموال إلى احتياجات العملاء أو تمويل الشركات والأفراد أو الاستثمار في أذون وسندات الخزانة.
أما إذا استمرت وفرة السيولة القابلة للتوظيف، وظلت هذه الآلية جاذبة مقارنة بالبدائل، فقد تحافظ العطاءات على مستويات مرتفعة خلال الأسابيع المقبلة.








