بقلم: بروس جيلى
أهم نتائج زيارة هيلارى كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية إلى آسيا الأسبوع الماضى اعترافها فى المؤتمر الصحفى الذى عقدته مع وزيرة خارجية إندونيسيا، مارتى ناتاليجاوا بأن واشنطن ترحب بقيادة جاكارتا لحل النزاعات الإقليمية على بحر الصين الجنوبى التى أسهمت فى تزايد اللهجة العدائية بين الصين وفيتنام والفلبين الأشهر الأخيرة. وفى الوقت ذاته صرح مسئول بوزارة الخارجية الأمريكية بأن إندونيسيا هى الدولة الرائدة من وجهة نظر واشنطن فى هذه القضية.
وفى الوقت الذى سلمت واشنطن دفة القيادة لإندونيسيا بشأن قضية بحر الصين الجنوبى، أكدت جاكارتا أنها لن تلعب دور الوكيل عن أمريكا أو جيرانها بما فى ذلك الفلبين وفيتنام الأكثر قلقاً من الصين وحلفائها.
بينما يزداد النفوذ الصينى، تحاول الولايات المتحدة جاهدة الوصول إلى رد فعال فى هذه القضية ويعتقد بعض المحللين أن التحالف مع واشنطن أو بكين الخيار الوحيد أمام دول المنطقة، إلا أن ظهور إندونيسيا كممثل رئيسى فى قضية بحر الصين الجنوبى يشير إلى أن ما يطلق عليها «القوى المتوسطة» أى العشر أو العشرين دولة المؤثرة مثل جنوب أفريقيا واستراليا غير الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو من عمالقة العالم مثل اليابان والهند وألمانيا، من الممكن أن يلعبوا دوراً كبيراً فى تحديد ملامح ذلك الرد الاستراتيجى الذى تسعى إليه واشنطن، قد تتمكن القوى المتوسطة من خلال دبلوماسية عدم الانحياز الفعالة من التأثير على صعود الصين بدرجة لا تستطيع أن تحققها الولايات المتحدة.
وتعد إندونيسيا قوى متوسطة نموذجية فهى دولة حديثة فى الديمقراطية وتنمو بسرعة هائلة وتمتلك قدرات عسكرية ودبلوماسية مهمة، ومثال آخر واضح على تأثير القوى المتوسطة على اتساع نفوذ الصين هى السياسة التى تتبعها مصر بعد مبارك، حيث جعل الرئيس المصرى المنتخب حديثاً محمد مرسى وجهته إلى الصين كأول زيارة خارجية له فى شهر أغسطس الماضى، كما هو الحال مع إندونيسيا يجب أن تقرر واشنطن ما إذا كانت مرحبة بمحاولات القاهرة لإعادة صياغة سياسات بكين حيال بعض القضايا المهمة مثل النزاع السورى، وتلك القضية التى تلعب فيها تركيا ـ قوى أخرى متوسطة ـ دوراً رائداً.
يعنى خيار القوى المتوسطة فى حال بعض النزاعات مثل بحر الصين الجنوبى وسوريا السماح للدول الصديقة أخذ زمام القيادة فى العمل الدبلوماسى، نظراً لأنها لا تمثل تهديداً كبيراً على الصين، رغم أن هذه الطريقة قد تدفع واشنطن إلى تقديم بعض التنازلات، إلا أنها من الممكن أن تتوصل إلى حلول من المرجح أن ترض بكين.
السؤال الموجه إلى واشنطن هو ما إذا كان تسليمها عجلة القيادة إلى تلك القوى المتوسطة غير المنحازة والفعالة سوف يعزز من مصالح واشنطن أكثر من محاولتها بناء تحالف من الدول المطيعة تحت قيادة أمريكا؟!
هناك سببان يرجحان أن يكون خيار القوى المتوسطة أكثر فاعلية حيال العديد من القضايا الشائكة التى تواجهها الولايات المتحدة عند مواجهتها لتنامى النفوذ الصينى، الأول أن هذه الدول معظمها ديمقراطية ومن ثم سوف تنحاز إلى المبادئ التى تسعى واشنطن إلى نشرها، فليس من المرجح أن تتبنى مصر، على سبيل المثال، نشر «النموذج الصينى» فى الشرق الأوسط وأفريقيا أكثر من محاولتها نشر «نموذج الربيع العربى» فى الصين من خلال التأكيد على أن هناك حضارة أخرى عظيمة تكتسب النفوذ العالمى من خلال كونها ديمقراطية، السبب الآخر هو أن واشنطن بإمكانها الفوز بدعم القوى المتوسطة عن طريق استخدام السياسات الناعمة.
يحمل هذا الخيار بالطبع بعض المخاطر، فمن الممكن أن يكون قادة القوى المتوسطة فى بعض الأحيان من الهواة أو ممن يحملون شعور العداء تجاه الولايات المتحدة، ولكن نظراً لرغبة العديد من الدول الناشئة فى الخروج من جلباب أمريكا سوف يكون هذا الخيار فى العديد من الحالات هو الأفضل لواشنطن على المدى الطويل.
إعداد: نهى مكرم
المصدر: نيويورك تايمز






