أى شخص يتابع سياسات الشرق الأوسط يدرك أنها منطقة يسعى فيها المتطرفون للحصول على كل شيء، ويسعى فيها المعتدلون لمجرد الابتعاد.
لكن بين الحين والآخر ينهض المعتدلون ويأخذون موقفا، وعندما يفعلون ذلك ينبغى أن تدعمهم أمريكا، فهذا هو الأمل الوحيد لانتقال تلك المنطقة المشوهة بالطائفية والمثقلة بماض دائما ما يريد دفن المستقبل، إلى مسار أكثر إيجابية، ويمكن وضع الانتفاضة الشعبية أو الانقلاب العسكري، التى اندلعت الأسبوع الماضى ضد الحكومة المصرية بقيادة الإخوان المسلمين فى هذا الإطار.
كان من الممكن أن يكون من الأفضل التصويت ضد محمد مرسى من جماعة الإخوان المسلمين بعد ثلاث سنوات، هذا من شأنه أن يجبر حزب الإخوان المسلمين على مواجهة عدم كفاءتهم وتراجع شعبيتهم، وكنت اتمنى لو أن الجيش المصرى لم يتدخل، ولكن الأفضل لم يعد موجودا فى القائمة بعد الآن فى مصر حتى أن الطعام لم يعد موجودا فى القائمة بالنسبة للفقراء.
شعر العديد من المصريين بأن انتظار ثلاث سنوات قد يلقى بمصر إلى الهاوية، فالدولة لا تمتلك عملة أجنبية كافية لدفع ثمن واردات الوقود حتى أن نقص خطوط الغاز والكهرباء أصبح فى كل مكان، لقد كان واضحا أن مرسى لم يركز على الحكم وتعيين أفضل الأشخاص، بل كان يركز على زرع نفسه وحزبه فى السلطة، وبمرور الوقت كان من الممكن أن تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة هى الأسوأ فى العالم، بحيث يكون عنوان المرحلة فيما بعد «حكومة لا تقهر وأزمة اقتصادية لا يمكن حلها وكارثة اجتماعية».
ومن الوقائع التى توضح اولويات الإخوان المسلمين تعيين مرسى عادل الخياط، عضو الجماعة الإسلامية، التى اعلنت مسئوليتها عن مذبحة الاقصر 1997 وراح ضحيتها 58 سائحا، محافظا للأقصر، التى تعد قلب صناعة السياحة فى مصر، حيث يعد إحياء النشاط السياحى أفضل وأسرع طريقة لكسب العملة الأجنبية اللازمة لشراء الغذاء والوقود، ورغم استقالة وزير السياحة احتجاجا على هذا التعيين واستقالة الخياط من المنصب، فإن هذا يعطيك فكرة عما كان يجري.
وينبغى على أمريكا مساعدة مصر بدلا من معاقبة مصر على محاولتها تغيير المسار قبل أن تنزلق إلى الهاوية، وعليها أن تواصل تعاونها مع الجيش المصرى للخروج بأفضل النتائج من تلك الأزمة، وأن تكون البداية بإصرار واشنطن على الإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين من السجن، وأن يتمتع حزب الجماعة واعلامه بالحرية والحق فى خوض الانتخابات المقبلة، وأن يكون له صوت فى عملية كتابة الدستور.
فأى شخص سيحاول حكم مصر بمفرده سوف يفشل: مبارك أو الجيش أو الإخوان المسلمون أو الليبراليون، والآن تمر مصر بمأزق كبير ومفزع، وأن الوسيلة الوحيدة لانتشالها من هذا المأزق هو تشكيل حكومة وحدة وطنية تستطيع اتخاذ القرارات الصعبة والتعامل كما ينبغى مع هذا الحمل الثقيل.
فى الواقع، إن السؤال الأكبر الذى تواجهه مصر ليس فقط من يحكم البلاد، ولكن كيف يمكن أن يحكم؟ فهل ستستطيع الديمقراطية الجديدة الهشة تحقيق التقدم فى مواجهة مثل هذه الأزمة الاقتصادية الحادة؟ إن مصر تتهاوي، حيث إن هذا الملتقى من السكان والمناخ والبطالة وندرة المياه والأمية قد يجعل البلاد غير قابلة للحكم، وتجعل مهمة الرئيس مستحيلة، آمل ألا يكون الأمر هكذا، ولكن الشيء الوحيد الذى ادركه أن مصر لا تستطيع الاستمرار فى التأرجح بين النظام المدنى والعسكري، الذى يعزل الإخوان المسلمون ونظام الإخوان الذى يعزل الجانب الآخر.
دارون اسيموغلو هو مؤلف شارك فى تأليف كتاب «لماذا تفشل الأمم»، وتدور فكرته حول أن السبب وراء ازدهار الأمة هو تطوير مؤسسات اجتماعية وسياسية شاملة، وتفشل عندما يتم احتكار تلك المؤسسات وتركيز الفرص والسلطة فى أيدى القلة.
ويرى المؤلف أن مصر مجتمع يقوم على احتكار المؤسسات، أكثر ما تحتاج إليه هو قائد يستطيع المزج بين روح الشمولية والصدق لإخبار الشعب أنهم أهدروا سنوات عديدة، وأنهم فى حاجة ماسة للبدء من جديد من خلال تعزيز التعليم، وتحفيز ريادة الأعمال، وتمكين المرأة، وإصلاح الشرطة والقضاء.
وإذا تم اجراء انتخابات جديدة، ووضع دستور جديد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الإسلاميين، فستكون هناك فرصة أمام مصر لحل كل مشاكلها، التى لا تستطيع تجنبها أكثر من ذلك، وأيضا ستتمكن من تجنب المشاكل الأسوأ، التى لا يمكن حلها، ولكنه مجرد احتمال.
المقال نقلا عن جريدة نيويورك تايمز








