بدأ يوسف إدريس رحلة إبداعه المتوهج قرب نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، وعندما تختلط تجاربه الذاتية مع رؤيته الموضوعية، تتشكل شهادة طازجة صادقة عن شتى مفردات الواقع المصرى، ومنها التعليم، عند نهاية الثلاثينيات، حيث يودع الكاتب الكبير طفولته، ويبدأ مرحلة المراهقة والانطلاق إلى الشباب، الذى يواكب تحولات ومتغيرات جذرية عاصفة، صاحبت الحرب العالمية الثانية وترتبت عليها.
مدرسة دمياط الثانوية
الحفنى أفندى مصطفى مدرس كيمياء فى قصة «الشهادة»، مجموعة «أرخص ليالى». يقابله الراوى مصادفة فى قطار حلوان، فيستدعى ذكرياته القديمة عن مدينة دمياط ومدرستها الثانوية، حيث يمثل الحفنى أفندى أحد أبرز معالم المدينة والمدرسة معاً.
يتسم مدرس الكيمياء البائس بكرش ضخم، ورقبة مكتنزة، ووجه سمين، أما ثيابه المهلهلة غير المتجانسة فتحرمه من المهابة والاحترام، ويتعرض بسببها لسخريات تلاميذه وألاعيبهم المزعجة: «وكان المخضرمون الجالسون فى أواخر المقاعد هم أحسن من يقلدونه، وأول من يضحكون عليه إذا أدار ظهره، والبادئين برش الحبر من ريشهم على سرواله حين يمر بين التخت، وهم الذين يلصقون له ذيول الورق الملون فى سترته إذا ما هم بمغادرة الفصل، وما كان يكتشف ما حدث له عادة إلا فى الحصة الثانية حين يدخل، وفى وجهه صرامة عسكرية، وعلى خدوده احمرار فاقع، وفمه لا ينطق بحرف، وإنما يزغر لنا كلنا ونحن واجمون صامتون، ويختار أى تلميذ، وغالبا ما يكون من الجالسين فى الصفوف الأمامية، ويلعن أباه، ثم يهدأ الحفنى أفندى».
الحفنى أفندى مدرس طيب أقرب إلى السذاجة، وبراعته فى الشرح لا تسعفه فى الحصول على ما يليق بمهنته من الاحترام والتبجيل، ليس أدل على عفويته وبساطته من أحاديثه للطلاب عن معاناته فى المدينة التى يقيم فيها وحيداً، بعيداً عن زوجته وابنه، حيث يسكن فى لوكاندة ويتعرض لخداع الجزار وسرقات خادم اللوكاندة: «ويحدثنا عن ابنه الذى يغوى البنات فى مصر، والذى رسب ثلاث مرات فى السنة الواحدة من أجل هوايته، وعن امرأته التى تأبى أن تسكن دمياط، والتى يرسل لها فى أول كل شهر معظم ماهيته».
«كنا نسمع منه هذا، ونضحك فى بعض الأحيان، ونتظاهر بالحزن فى بعضها، وهو لا يشاركنا فى كليهما، وانما كان وجهه يحفل بالاشمئزاز والاشمئناط كمن يعانى من مغص دائم».
التعس والمراهقون
مثل هذا النوع من الأحاديث قد يكون مبرراً اذا باح به إلى أصدقاء ومعارف مقربين، يماثلونه فى المكانة والسن، أما الشكوى للتلاميذ المراهقين اللا مبالين فتزيد من استهتارهم به، وتضاف اهاناتهم إلى سجل عذابه ومعاناته: «وما كان الرجل يلقى تقديراً من أحد، فتلاميذه يعيثون به، وزملاؤه يسخرون منه، والناظر يتجهم فى وجهه ويلذعه كلما رآه بالنقد، والمفتشون يكتبون عنه أزفت التقارير، بل لا يتورعون عن تجريحه أمامنا فى الفصل».
الحفنى أفندى مصطفى واحد من الكائنات المهزومة التى تعيش على هامش الحياة، مسكونة بالاشمئزاز والاشمئناط، ولا تنال جزاء الإسراف فى الطيبة والبساطة إلا مزيجا من الأذى والنكران، فالإجماع كامل على إهانته والحط من شأنه والاستهانة به، فهذا ما تفعله الزوجة والابن والتلاميذ والرؤساء والزملاء، فضلا عن الجزار وخادم الفندق.
لا يؤثر مرور السنوات على جوهر شخصية الحفنى، فعند لقاء المصادفة مع تلميذه القديم، يحدثه عن المدارس التى تنقل بينها بعد نقله من دمياط: «وعن الوزارة التى تضن عليه بالدرجة، وعن زملائه الذين أصبحوا نظارا وهو لا يزال مدرسا، وعن امرأته التى طلقها، ونفقتها التى تستغرق مرتبه، وابنه الذى ترك المدارس وذهب يمثل فى السينما».
لا جديد فى حياته إلا المزيد من المعاناة والقهر والعذاب، وقد تعود الرجل على هذا النمط من الحياة فلا يستوعب فكرة ان يمدحه تلميذه الذى أصبح طبيباً، ولا يصدق أن طلابه القدامى الاشقياء قد شقوا طريقهم بنجاح وخلفوه تعيسا. لا شىء يسعده ويدهشه إلا نجاحهم، فمثل هذا النجاح دليل عملى على انه حقق شيئاً!






