بقلم: رولا خلف وهبة صالح
فى اليوم الذى أصبح فيه أول رئيس مصرى منتخب ديمقراطيا فى يونيو الماضى، ظهر محمد مرسى على منصة ميدان التحرير يخاطب الحشود المبتهجة فاتحا سترته ليؤكد لهم أنه لا يرتدى سترة مضادة للرصاص معلنا بصوت يفوق أصوات التصفيق الحادة «أننى اشعر بالأمان بفضل الله وبفضلكم».
ولكن سرعان ما انقلب هذا المشهد رأساً على عقب، فيوم الجمعة قبل الماضى وبعد أن أصدر مرسى الاعلان الدستورى الذى حصن به قراراته مؤقتا ضد احكام القضاء ما اثار غضب القضاة والمعارضة القى خطابا مطولا ودفاعيا ولكن هذه المرة من امام قصر الرئاسة وكان محاطا بمؤيديه من الاسلاميين فى الوقت الذى امتلأ فيه ميدان التحرير بحشود من المعارضين يصفونه بالديكتاتور.
مع هذا التحول الدراماتيكى، فإن هذا القائد الاسلامى الذى تعهد بأن يكون رئيسا لكل المصريين لم يعمق فقط الانقسامات السياسية داخل هذا المجتمع المكلوم الذى لم يلتقط انفاسه بعد من عقود طويلة من الحكم الاستبدادى فقد اطاح ايضا بتلك المصداقية التى كان يحاول بناءها بكل حذر.
بعد ان اشاد به قادة العالم إثر مساعدته لتأمين وقف اطلاق النار فى غزة الشهر الماضي، وصفق له شعبه عندما اطاح بذكاء بجنرالات الجيش الذين سيطروا على حكم مصر فى اعقاب الثورة، اصبح مرسى الآن يوصف بالأحمق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد اكد المرسوم الذى اصدره شكوك معارضيه بان خلفيته الاسلامية تجعله اكثر ميلا للحكم الاستبدادى عن الديمقرطية، يقول النقاد ان جماعة الاخوان المسلمين، التنظيم الاسلامى الذى جاء بمرسى إلى السلطة، تعتبر الديمقراطية مجرد وسيلة للفوز بالانتخابات وضمان اصوات الاغلبية دون الاهتمام باى مزايا اخرى للديمقراطية.
على الرغم من أن هذا الكلام به شئ من الحقيقة، الا ان موقف مرسى جاء ايضا نتيجة عدم قدرته على مواجهة الضغوط الساحقة للانتقال السياسى والتى غالبا ما تكون متضاربة، كما نجد ان نشأته السياسية داخل جماعة الاخوان المسلمين غرست بداخله طابع البرجماتية التى تجلت فى توسطه لوقف اطلاق النار فى غزة وترحيبه بمساعدة صندوق النقد الدولى ولكنها رسخت بداخله ايضا عادة العمل فى سرية وفى عالم من المؤامرات.
ونتيجة تجاهله قبيل الانتخابات الرئاسية بسبب فقدانه لكاريزما رئيس الدولة ولكونه «استبن» خيرت الشاطر، رجل الاخوان المسلمين القوى والاكثر دهاءً، واجه مرسى تحديا مزدوجا، فمن ناحية كان عليه ان يثبت انه ليس احتياطياً لأحد ومن ناحية اخرى ان يسعى لانتشال مصر من مرحلة ما بعد الثورة، حيث ورث اقتصادا متعثرا ورئاسة مازالت فى حالة حرب مع الدولة الخفية التى خلفها نظام الرئيس المخلوع حسنى مبارك.
على الرغم من هواجس العديد من المصريين حيال خلفيته الاسلامية فإنهم كانوا حتى وقت قريب على استعداد أن يمنحوه ميزة الشك خاصة أن منهجه أكد أنه توافقي، كما عكس الرئيس صورة الزعيم الحيوى الذى على اتصال بهموم شعبه واكدت ايضا سفرياته للخارج على دور القاهرة الاقليمي.
ولكن هذه الصورة قد تحطمت بشكل لا يمكن اصلاحه، ويقول مسئولى الاخوان المسلمين ان الرئيس احبط مؤامرة كانت تلوح ضده فى الافق والتى تتضمن حكم المحكمة الدستورية بحل الجمعية التأسيسية المنوطة بكتابة الدستور، الا ان اللجنة المكتظة بالاسلاميين كانت فى حاجة إلى تعديل وليست حماية، وتقول المعارضة ان هذا الكلام عن المؤامرة ما هو الا اوهام.
بالاضافة إلى ذلك، لم يفعل مرسى شيئا ليكون هناك توافق فى الآراء حيال اعلانه الدستورى حتى ان وزير العدل ومستشاريه تفاجأوا به كما انه أخطأ فى تقدير قوة المعارضة وسيادة القانون، واكثر ما يدينه ويشكل خطورة بالنسبة لمصر هو أن هذا القائد الإسلامى الذى كان فى طريقه لان يصبح قائدا قوميا صار الان شخصية حزبية مثيرة للجدل وضرب بعرض الحائط الثقة التى اكتسبها فى الأشهر الاخيرة.
إعداد: نهى مكرم
المصدر: فاينانشيال تايمز








