بقلم : عماد الدين حسين – الشروق
أشعر بتعاطف حقيقى مع الدكتور هشام قنديل وحكومته، هو يقسم بأغلظ الأيمان كل يوم صادقا بأن الأسعار لن تزيد، لكنه فى نفس اللحظة مطالب بأن يعطى جزءا من شعبه الدواء المر المتمثل فى بعض الإجراءات التقشفية، التى بدورها ــ شئنا أم أبينا ــ ستؤدى إلى ارتفاع بعض الأسعار.
جزء من المشكلة نفسى، ويبدو أقرب إلى أن الحكومة ومؤسسة الرئاسة «مكسوفة» من الشعب، وتبدو مثل فتاة لا تريد أن تظهر فقيرة أمام خطيبها، وتتفنن كل يوم فى ارتداء ملابس جارتها أو صديقتها، ولا تعرف كيف تصارح حبيبها أو شعبها بالحقيقة المرة وهى ان حالتها صعبة ومشاكلها «متلتلة».
الرئيس مرسى «عمل البحر طحينة» لشعبه فى خطابه أمام الشورى ظهر السبت الماضى، وبعد الخطاب بساعة كان البنك المركزى يقول إن وضعنا حرج وحالنا يصعب على الكافر.
فى اليوم التالى طمأن الدكتور هشام قنديل الناس وقال لهم إن الأسعار لن تزيد خصوصا الوقود، وفى نفس توقيت تصريحاته كان سعر الجنيه يبدأ فى التهاوى والتراجع والهبوط.
الحكومة لم تعلن رسميا تعويم الجنيه، لكنها قررت اتباع آليات جديدة فى بيع الدولار بحيث يتم تخفيض قيمة الجنيه فى اطار ما يعرف بـ«التعويم المدار» وهو أحد المطالب الرئيسية لصندوق النقد الدولى كى يوافق على إقراضنا 4.8 مليار دولار.
السؤال هو: هل نحتاج لهذا القرض؟!. للأسف الشديد ومادمنا نتبع نفس السياسات الاقتصادية الراهنة وهى صورة شبه كربونية من سياسات مبارك، فإن الحكومة تجد نفسها مضطرة للحصول عليه، مادامت لا تريد أن تكون حكومة ثورية، ومادامت تتبع نفس السياسات الاجتماعية لمبارك.
الناس والخبراء والتاريخ لا يحكمون على الحكومة من تصريحات رئيسها أو وزرائها أو حتى رئيس الجمهورية وأيمانهم المغلظة ليل نهار بأنهم مع الفقراء، هم يحكمون بناء على السياسات القائمة والنتائج المتحققة على الأرض.
قبل أسابيع اعتمد رئيس الجمهورية مجموعة من القوانين التى ترفع قيمة الضرائب على مجموعة سلع وفى مساء نفس اليوم تم التراجع عن هذه القرارات لأن تأثيرها السياسى على التصويت على الدستور وعلى سمعة الإخوان المسلمين سيكون قاتلا. وقال بيان لمؤسسة الرئاسة وقتها إنه لن يتم رفع سعر أى سلعة قبل موافقة الناس!!، ثم فوجئنا بأسعار السجائر تزيد قبل حوالى أسبوع من دون أن تسأل الحكومة «الكييفة» بشأن رأيهم فى القرار، أم أنها لا تعترف بالسجائر سلعة، رغم أنها تدر على خزانة الحكومة مليارات الجنيهات؟!. ويبدو أن الحكومة قررت العودة إلى «الأسلوب المباركى» فى رفع الأسعار أى زيادتها سلعة سلعة وليس مرة واحدة، ومن دون إعلان، حتى لا تعطى لخصومها فرصة اصطيادها متلبسة بارتكاب خيانة الجماهير.
لكن مشكلة الحكومة أن زيادة الأسعار ــ سواء كانت علنية أم سرية، فردية أم جماعية ــ لا يمكن التكتم عليها، ويشبه الأمر الحمل السفاح فالبطن سوف تكبر وتتكور مهما تفننت وبالغت فى الإخفاء.
مرة أخرى على الحكومة أن تتحلى بالشجاعة وتصارح الشعب بالحقيقة مهما كانت مرة، عليها ألا تخبره بالطبع بألغاز اقتصادية من قبيل نسبة عجز الموازنة وميزان المدفوعات والتضخم والانكماش وعدم تساقط ثمار النمو.
عليها أن تخبره الحقيقة ببساطة وبلغة سهلة يفهمها، والأهم أن تقول له اصبر حتى يوم أو شهر أو سنة كذا، من أجل مستقبلك وبلدك، وتعرض عليه خطتها الفعلية للإصلاح.
أسلوب «اللف والدوران والكسوف» فشل مع كل الحكومات السابقة، فلماذا سينجح مع الحكومة الجديدة؟!.








