يهاجم بيل كلينتون في كتابه العودة إلى العمل، خلفه جورج بوش على خلفية الإجراءات الاقتصادية السيئة التي تتعلق بالأساس بالتخفيضات الضريبية، مشيرا إلى أنه أورث بوش اقتصادا سليما، بينما أورث هذا الأخير أوباما عددا هائلا من المشاكل. فهل يملك أدلة على ذلك. بقلم: داليا العاني/ عبدالله قاسم
يشير بل كلينتون، الرئيس الأمريكي الأسبق في كتابه الجديد العودة إلى العمل إلى السنوات التي كان فيها رئيسا، حيث وفرت الحكومة الأمريكية أكثر من 22 مليون وظيفة، في حين لم يوفر جورج بوش سوى 2.5 مليون وظيفة، على أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عهد بوش وانتهت بعد 6 أشهر من وصول أوباما إلى المكتب البيضاوي، أدت إلى فقدان الشعب الأمريكي ما يقارب 8 ملايين وظيفة.
كتاب كلينتون الجديد الصادر في العام 2011 تحت عنوان العودة إلى العمل، تم نشره بواســطة دار راندم للنشر، ويتحدث فيه كلينتون عن نظرته للاقتصاد الأمريكي في السنوات الـ10 الأخيرة، وكيفية مواجهة التباطؤ الاقتصادي الحالي. يرى كلينتون أن الرئيس بوش بالغ في تخفيض الضرائب لإرضاء قطاع من الشعب الأمريكي مع بداية الألفية الجديدة، موضحا أن هذه التخفيضات كانت سببا رئيسيا من أسباب العجز في الميزانية اليوم. لكن الجمهوريين- الذين ينتمي إليهم بوش- كانوا على الدوام يعارضون بإصرار أية زيادات ضريبية، الأمر الذي يرد عليه كلينتون بأن الولايات المتحدة لم تحصل على اقتصاد أفضل مع التخفيضات الضريبية للرئيس بوش، إذ وفقا لمؤسسة أبحاث الدائرة الاقتصادية، فإن معدل نمو دخل الفرد في عهد بوش كان الأسوأ والأكثر تباطؤا منذ الحــرب العالميـــة الثانيـــة، وأســـوأ حتى مما كان عليه إبان فتـــــرة الكساد الاقتصادي العظيم في العام 1929.
وكما يقول كلينتون، لم تقتصر تركة بوش على توريث أوباما هذا الكساد الاقتصادي فقط، بل أيضا عجزا بمقدار 1 تريليون دولار. جزء كبير من هذا العجز يعود إلى سياسة التخفيضات الضريبية التي نفذها بوش، الأمر الذي يجعل الأمة الآن ترزح تحت وطأة الديون التي تثقل كاهلها، إضافة إلى ارتفاع معدل البطالة، على الرغم من ارتفاع مستوى أرباح الشركات ودخل العائلة الطبيعي في أواخر التسعينات.
كلينتون حتى الآن يركز في كتابه على الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الأمريكي منذ العام 2001، حيث يعتقد أنه أورث الرئيس بوش اقتصادا سليما لكن التخفيضات الضريبية أضعفته. بعد كل شيء، لقد كان الإنجاز الأكبر لكلينتون حين رفع ضرائب الدخل عام 1993، حينها بدأت أسعار الفائدة بالانحسار وأقلع الاقتصاد، وتراجع معدل البطالة إلى %4 بحلول العام 2000.
ولكن كانت هناك عوامل أخرى إلى جانب رفع كلينتون للضرائب. فلقد رفع آلان غرينسبان رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي 1987 – 2006 أسعار الفائدة بشكل حاد عام 1994، وهذا ما أدى بشكل أساسي إلى انخفاض توقعات معدلات التضخم. في غضون ذلك، انخفض الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية من جهة أخرى بسبب نموها البطيء نتيجة صعود منظمة العناية بالصحة للتأمين الصحي. أيضا كان لانتهاء الحرب الباردة أثر مباشر، فقد انخفضت نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي، وربما الأهم من ذلك، بدأت طفرة الإنترنت تحفز سوق الأسهم، ما شجع المستهلكين الذين أحسوا أنهم صاروا أكثر ثراء على الإنفاق أكثر من أي وقت مضى.
وعلى هذا الطريق، مرر كلينتون تشريعات اجتماعية مهمة، كالتوسع في ضريبة الدخل المكتسب، وقانون الأسرة والإجازات الطبية، ولكن استثماراته الإدارية- والنتائج بالتبعية- كانت متواضعة في مجال التعليم والبنية التحتية مقارنة مع نمو الاقتصاد. عام 1998 على سبيل المثال، أعطت جمعية المهندسين المدنيين درجة قليلة للبنية التحتية د، وفي العام 2001، وبعد استثمارات كلينتون تحسن الوضع بشكل عام وارتفعت الدرجة إلى د +. يوضح كلينتون في كتابه أن الدولة كان بإمكانها أن تلغي ديونها بالكامل بحلول العام 2013 في حال التزمت إدارة بوش بخطته لخفض العجز. لكن لماذا كانت هذه هي خطته على الدوام؟ هل يتوجب على الرؤساء التنفيذيين أن يفاخروا بقدرتهم على تسديد كل ديون المؤسسة، أم يتوجب عليهم الاستثمار في المستقبل؟
يتجنب كلينتون الحديث عن دوره في رفع القيود المالية، لكنه يقر بأنه كان يتعين عليه اتخاذ خطوات للسيطرة على المشتقات المالية، والأوراق المالية عالية الاستدانة، التي كانت في قلب الأزمة عام 2008، على الرغم من أنه يدافع عن قراره في إنهاء وإلغاء قانون كلاس سيجكال – قانون المصارف لعام 1933، وهو القانون الذي أنشأ المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة وأدخل العديد من الإصلاحات المصرفية، التي تم تصميم العديد منها للسيطرة على المضاربة- واستبداله بتشريعات تفصل بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية، ويقول إن ذلك لم يكن السبب في نشأة الأزمة. لكن في الحقيقة، فإن إلغاء قانون كلاس سيجكال أدى مباشرة إلى ظهور المؤسسات المالية الضخمة التي يؤمن مديروها بإمكانية المجازفة باستثمارات محفوفة بالمخاطر واقتراض ديون هائلة في الوقت ذاته. أيضا فإن إدارته- إلى جانب العديد من الديمقراطيين في الكونغرس- كانت لينة بشكل مستمر مع وول ستريت في الوقت الذي كانت فيه تتم العديد من عمليات الاحتيال المحاسبي، والحيل لبيع التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى سباق الأموال الساخنة السيولة الأجنبية التي تدخل أسواق المال المحلية في دولة ما بهدف جني أرباح سريعة مخلفة وراءها انهيارا في أسعار الأوراق المالية بمجرد ظهور موجة تصحيح الأسعار في جميع أنحاء العالم، متسببة في زعزعة استقرار الاقتصادات الأجنبية في هذه العملية.
لذا فإنه ليس من المستغرب إذن، أنه ليس هناك في كتاب كلينتون العودة إلى العمل ما يجعله بقيمة كتاب اللحظات الحاسمة الذي كتبه جوناثان ألتر من قبل عن الـ100 يوم الأولى من رئاسة فرانكلين روزفلت، والذي تناول خلفية الرئيس الأمريكي السابق الذي واجه الكساد العظيم وتغلب عليه، وعرض لمساعيه وجهوده المستمرة في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي حينها، وكيف ألهم بقيادته البلاد على تخطي أزمتها الطاحنة. ليس في كتاب كلينتون خطة إنقاذ قد تسهم في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي كما فعلت خطة الإنقاذ التي طبقها روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي. خطة كلينتون للوظائف إلى حد كبير تمثل تكرارا لتوصيات أوباما الأخيرة، والتي تشمل خفضا مؤقتا في ضريبة المرتبات وعكسا لتخفيضات بوش الضريبية لذوي الدخل المرتفع، كما أنه يدعو أيضا إلى وضع برنامج طموح لتخفيف ديون الرهن العقاري. إن كل هذا جيد ويمثل بداية جيدة، ولكن ليس من المرجح جدا أن يكون كافيا.
دون أي توضيح، يؤيد كلينتون مقترحات لتحقيق التوازن في الميزانية التي يبدو أنها تعتمد بشكل أساسي على تخفيض الإنفاق أكثر مما تعتمد على زيادة الضرائب لم يجر أية حسابات لتدعيم رأيه، حيث يدعم تخفيض الميزانية المرصودة للأمن والرعاية الصحية بهدف تقليل العجز، كما يؤازر تخفيض الإنفاق العسكري، لكن بحذر. يؤمن كلينتون بأن مشكلة الولايات المتحدة الحقيقية هي ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فيما يبدو أنه لا يزال يتحدث عن زمن التسعينات.
يحذر كلينتون من تراجع الولايات المتحدة خلف البلدان الغنية بسبب ضعف الاستثمارات العامة، ولكنه لا يقترح أية زيادة ضريبية رئيسية عندما يعود الاقتصاد إلى مساره. يشير كلينتون إلى عكس كل تخفيضات بوش الضريبية، بما في ذلك الضرائب على الطبقة الوسطى، ويتوقع استعادة ميزانية متوازنة بشكل كاف على مدى السنوات الـ10 المقبلة، كما ينوه بالحاجة المحتملة لفرض ضريبة القيمة المضافة، أي ضربية المبيعات الوطنية، وعلى المعاملات المالية، ويوصي بشأن الاستثمار والنقل، في حين أن هناك قضايا ومشاكل أكبر يجب حلها.
الكثير من الأشخاص يرحبون ببراجماتية كلينتون، حيث يرونها واقعية سياسية، لكن إذا كان هؤلاء القلة من الأشخاص الذين يمتلكون مكبرات صوت وطنية– مثل الرئيس السابق– لا يستخدمونها للتأثير وتغيير طريقة تفكير الأمريكيين، من سيفعل؟ على أية حال، حتى إذا تم تطبيق كل اقتراحات كلينتون، لا يزال هناك طريق طويل أمام أمريكا عليها أن تمضي فيه.
بقلم : داليا العاني
تنشر بالاتفاق مع فوربس الشرق الاوسط








