ما يحدث في مصر حالياً لحظات فارقة في تاريخها وأوقات يسجلها تاريخ الثورات الشعبية
يجب النظر بعناية كبري إلي الاقتصاد ووضع هدف قومي اقتصادي لتحقيقه
يشاء القدر أن أشهد في حياتي ثورتين في مصر في أقل من ثلاثة أعوام لأن ما حدث يوم 30 يونيو 2013 يعد بحق ثورة شعبية لم تشهد مصر ولم يشهد العالم مثيل لها في التاريخ المعاصر، وهي استكمال لثورة 25 يناير 2011. إن ما يحدث في مصر هذه الأيام هو لحظات فارقة في تاريخها وأوقات يسجلها تاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية في العالم أجمع.
وأول ما تبادر إلي ذهني وقفز إلي مخيلتي هذا السؤال: إذا كانت مصر لديها تلك الطاقات البشرية الهائلة الرائعة المبهرة التي أذهلت العالم…. فكيف لا تُستغل تلك الطاقات؟ كيف لم تستثمر تلك الطاقة وذلك الحماس وهؤلاء الشباب من أجل ازدهار وتقدم ونمو مصر اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً حتي الآن؟
كيف لم تُستغل تلك الطاقات علي مدار سنوات طويلة ظلت فيه تعاني الإهمال والتجنيب واللامبالاة، رغم أن الطاقة البشرية تعد أهم عنصر مؤثر وكلمة السر وراء ازدهار ونمو وتقدم العديد من الاقتصادات والمجتمعات التي أحسنت استغلالها واستثمارها وتوظيفها بكفاءة كبيرة؟
لكن كيف يتم ذلك ؟؟؟
يتم من خلال توحيد قوي الشعب بجميع أطيافها وفئاتها رجالاً ونساءً.. كباراً وشباباً من أجل الالتفاف لتحقيق أهداف قومية ووطنية كبري عظيمة من خلال وضع استراتيجية طويلة المدي يتم تقسيمها إلي خطط متوسطة وقصيرة المدي ثم إلي خطط سنوية يسهل تنفيذها وتقييمها حتي يمكن تصحيح المسارات حال حدوث انحراف عن الأهداف الموضوعة.
ويجدر بنا أن نشير إلي أن التاريخ المصري المعاصر شهد حالات استثنائية لكيفية توظيف واستثمار طاقات المصريين البشرية، حيث كان لمصر تجربة فريدة خلال القرن الماضي وتحديداً في أعقاب تولي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر سدة الحكم في مصر عام 1954، عندما تبني تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية والقضاء علي الطبقية والفساد والمحسوبية ومراعاة ظروف الفقراء والمعدمين، والنهوض بمصر في كل المجالات زراعياً وصناعياً وتجارياً.
واستند عبد الناصر في فكره علي اعتماد مصر علي مواردها الذاتية المادية والبشرية، وعدم الاعتماد علي الخارج لدرجة وصلت إلي الاستعداء، وهو ما ظهر جلياً في عملية تأميم قناة السويس التي أدخلت مصر حرب 1956، وكذلك أزمة بناء السد العالي وعدم موافقة البنك الدولي علي تمويل السد آنذاك. لقد استطاع عبد الناصر أن يحشد جميع فئات المجتمع وأبناء الوطن حول أهداف قومية ووطنية كبري مستفيداً بطاقات الشعب المصري.
واستكمل الرئيس الراحل أنور السادات طريق بناء الجيش المصري في سبيل استرداد الكرامة بعد هزيمة 1967 وهو ما تحقق في التفاف الشعب المصري كله بجميع طوائفه حول الرئيس في حربي الاستنزاف ثم حرب أكتوبر المجيدة والنصر العظيم في عام 1973.
ورغم تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، إلا أن المواطن المصري لا يزال لم يستغل بكامل طاقاته بالشكل الأمثل، ولم يُنظر له علي أنه مورد مهم وحيوي مثله مثل الموارد الطبيعية التي تمتلكها مصر وأهمها الزراعة وقناة السويس والآثار.
كيف لا يستغل شباب مصري مثل شباب ” تمــــرد ” الذي ضرب المثل في التفاني والطموح من أجل تحقيق أهداف الحرية والإرادة الشعبية وفي الإبداع في توصيل
رسالة المجتمع كله بشكل متحضر ؟؟؟
كيف لا يتم استغلال هذه الكتل البشرية الضخمة المهولة التي نزلت شوارع ومحافظات مصر وفي وقت واحد للتعبير عن رأيها واثبات وجودها وتوصيل رسالتها ليست للسلطة الحاكمة فقط ولكن لكل دول العالم ومجتمعاته المتحضرة ؟؟؟
إن الواجب القومي والوطني يحتم علي كل من سيتولي المسئولية في مصر خلال الفترة القادمة أن يولي شباب ورجال مصر الاهتمام الكافي، وأن يضع نصب عينيه تلك الطاقات البشرية الهائلة، الطاقات التي تسببت في نقلة حضارية واقتصادية رائعة في العديد من دول العالم ولنا في الصين وكوريا واليابان وتركيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا أمثلة واضحة.
إن الوطن الذي يمتلك شعباً مثل شعب مصر وشباباً مثل هؤلاء الشباب يمتلك كنزاً رائعاً يجب استغلاله واستثماره.
يجب قبل كل شئ، وبعد أن تنفض مصر عنها غبار سنوات طويلة من الفساد.. وبعد عام من الفشل والتخبط الإداري في جميع مجالات الدولة، يجب أن يتم وضع هدف اقتصادي قومي ووطني تكون جميع فئات وطوائف الشعب ملزمة بتحقيقه خلال مدة زمنية يتم تحديدها من الآن ولتكن 10 سنوات للوصول بمصر واقتصادها إلي أرفع وأرقي الدرجات والتي يستحقها بالفعل بفضل ما يملكه من موارد طبيعية ومادية وبشرية هائلة.
ذلك المورد البشري الذي إذا تم استغلاله وتوظيفه وتسليحه بأفضل وأحدث وسائل العلم والتكنولوجيا فإنه يمكن أن يصنع معجزة اقتصادية تتفوق – بدون مبالغة – علي العديد من المجتمعات والاقتصادات التي نراها اليوم ونتحسر للأسف علي حالنا وما وصلنا إليه من تردي كبير في الإنتاج والاستثمار والخدمات العامة.
وأختم حديثي وأكررها…. يجب من الآن النظر بعناية كبري إلي الاقتصاد ووضع هدف قومي اقتصادي لتحقيقه، بل وكتابة ذلك الهدف علي كل مصلحة ووزارة ومحافظة وبنك وشركة ومصنع في مصر.. يكون الهدف واضحاً ويتم شرحه لجميع فئات الشعب المصري وتوضيح مدي أهمية تحقيقه وما سوف ينتظر هذا الشعب حال تحقيق هذا الهدف. وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال وضع خطة متكاملة للتنمية الاقتصادية الزراعية والصناعية والتجارية، وتشمل العمل علي كل المحاور في وقت واحد.
ويجب أن يتولي من لديهم الخبرة والكفاءة والإبداع والإبتكار مسئولية تحقيق هذا الهدف الاقتصادي الطموح.
يجب أيضاً توضيح أمر هام للشعب المصري وهو أن الطريق صعب ويحتاج إلي وقت وجهد وتكاتف أيادي وسواعد كل أبناء مصر، حيث أن الوضع الاقتصادي في مصر الآن حرج للغاية ومتأزم بشكل واضح وعملية النهوض به وتعافيه من المؤكد أنها سوف تأخذ وقتاً وجهداً مضاعفاً. لكن الأمر لن يكون مستحيلاً بل هو في الإمكان شريطة أن يكون الهدف الذي تحدثت عنه واضحاً للجميع في مصر ومحدداً وله توقيت زمني ويتم قياس الأداء فيه بشكل متواصل ومستمر حتي يمكن الوصول إليه وتحقيقه في نهاية المطاف بإذن الله.
بقلم – خالد حسني مدبولي








