لجان التسويات صورية والحكومة تهدد المستثمرين بالسجن لتجبرهم على التصالح بعيداً عن آليات القانون
ليس أمام الحكومة سوى تنفيذ أحكام استرداد الشركات التى صدرت تحت ضغط الرأى العام
استحالة مادية فى تنفيذ بعض أحكام القضاء خاصة الشركات المتداولة بالبورصة التى تمت تصفيتها
ارتباك الدولة وترددها فى حل منازعات الاستثمار يخرجنا من المنافسة العالمية
رعب المسئولين من المساءلة الجنائية أنتج مناخاً استثمارياً تعساً يضر بالمال العام
قال الدكتور هانى سرى الدين، رئيس مكتب سرى الدين للاستشارات القانونية ورئيس هيئة سوق المال الأسبق، إن مصر تعانى حتى الآن مما جرى فى أعقاب ثورة 25 يناير 2011 من تسييس القانون الجنائى بإقحامه فى المنازعات الاستثمارية والإدارية، ما اعتبره كارثة تبث الرعب فى قلوب المستثمرين المحليين والأجانب وتدفعهم للاحجام عن الاستثمار والتعامل مع أجهزة الدولة.
أضاف سرى الدين، فى حوار مع «البورصة»: إن استمرار العمل بنفس تشريعات وآليات الماضى سيولد نفس المشاكل التى نعجز عن حلها حالياً، خاصة المنازعات الاستثمارية التى خلفها نظام فاسد لايزال قائما ويعمل على تعقيدها.
وتابع سرى الدين قائلاً إن إقحام القانون الجنائى فى المنازعات الاستثمارية والإدارية جاء بسبب الفشل فى إجراء المحاكمات السياسية سواء لرجال دولة ومسئولين حكوميين أو المستثمرين حسنى النية، وسيؤدى ارتباك وتردد الدولة فى حسم المنازعات الاستثمارية إلى خروج مصر من المنافسة الشرسة على كعكة الاستثمار الاجنبى المباشر.
تواجه الحكومة نزاعات مع نحو 20 مستثمراً، وكذلك صدور أحكام قضائية نهائية برد عدد من الشركات التى تمت خصخصتها إلى الدولة، يصعب تنفيذها لتغيير المراكز القانونية للمساهمين بهذه الشركات أو تصفية أصولها، ما قد يعصف بمناخ الاستثمار ويهدد بتعرض الدولة لغرامات مالية كبيرة بلجوء المشترين إلى التحكيم الدولى.
بحسب سرى الدين، تعمل الحكومة على إكراه المستثمرين على تسوية المنازعات وديا وبالشروط التى تضعها، بعيداً عن الآليات القانونية، فى خرق واضح لتعاقداتها، وتلوح باللجوء إلى القانون الجنائى حتى يرضخ المستثمرون لمطالب الحكومة، ما أدى لعدم استقرار البيئة القانونية ويوجد مناخاً طارداً للاستثمار.
وقال: ”الحكومة شكلت لجانا لاعادة التوازن للعقود التى تعانى من خلل بالتوازن المالى والمساس بحقوق الدولة، لكنها أساءت استخدام هذه اللجان بتهديد المستثمر بانه قد يدخل السجن فى حالة عدم حل النزاع وقبول ضغوط الحكومة، ما ولد نمطاً عاماً ان الدولة تعتمد اسلوب الإكراه المادى لتسوية المنازعات التجارية، وأصبحت هذه اللجان صورية وعقيمة”.
ووصف اقحام القانون الجنائى فى المنازعات التجارية والإدارية بأنه “مصيبة”، أدى إلى رعب المسئولين الحكوميين من اتخاذ أى قرار حتى لا يتعرضوا للإدانه والمساءلة الجنائية، سواء بتخصيص أراض أو تفعيل تعاقدات، حتى أصبح القرار الأسهل للمسئولين حالياً هو إلغاء التعاقدات، ما أنتج مناخاً استثمارياً تعساً وحالة شلل تامة بجميع أجهزة الدولة بدعوى حماية المال العام، لكنه فى الحقيقة اضرار محدق بالمال العام، على حد تعبيره.
قال إن تقييم مناخ الاستثمار يتطلب مراعاة الاطار التشريعى والنظام القضائى وسرعة الحسم والفصل فى المنازعات المرتبطة بالاستثمار والبعد الإجرائى والبيروقراطية، إلى جانب توافر البنية الاساسية والأراضى الجاهزة للاستثمار، وأخيراً المشكلات المرتبطة بالعملة، ووصفها بأنه الأقل تأثيراً مقارنة بالاطار التشريعى والإجرائى.
اعتبر رئيس قسم القانون التجارى بجامعة القاهرة أن ارتباك الدولة فى حسم المنازعات الاستثمارية مصيبة ويتطلب تحركاً سريعاً من جميع الأطراف، بداية من رئيس الدولة والحكومة الحالية ورؤساء الأجهزة الرقابية، لأن الأمر لم يعد يحتمل التأخير، وحلها سيكون له أثر إيجابى سريع جداً وسيعيد ثقة المستثمر مرة أخرى فى تعاقدات الحكومة المصرية.
وتابع: “المستثمر قد يتحمل بطء بعض الإجراءات والبيروقراطية ويطالب بتعديلات على قانون الشركات لكنه لن يقبل أن يلقى به فى السجن، أو أن يعد دراسة جدوى اقتصادية لمشروع مع نظام حكم ثم يسقط ويأتى نظام آخر يلغيها بدعوى الحصول على حق الدولة، فهناك أمور عدة تحتاج إلى تنقيح.
وضرب سرى الدين مثالاً باللائحة العقارية بهيئة المجتمعات العمرانية، التى تمنع، على سبيل المثال، المستثمرين العقاريين من تسويق مشروعاتهم الا بعد الانتهاء من تنفيذ كامل المشروع، وهو ما يتعارض مع طبيعة الاستثمار العقارى، فمن غير المقبول ان يتوقف مشروع بمليارات الجنيهات دون تسويق لمدة تصل خمس سنوات، كما تعاقب المستثمر الذى يتأخر فى سداد قسط أو قسطين من ثمن الأرض لظروف أزمة مالية، بسحب الارض رغم سداده نحو 30 قسطاً امن إجمالى 40 قسطاً.
وطالب الحكومة بسرعة تنقيح قراراتها التنفيذية بشكل عاجل خاصة اللائحة العقارية غير الواقعية والمكبلة لتنشيط الاستثمار العقاري، ووضع أسس منطقية للتسعير بجميع الجهات الحكومية.
أضاف: «الانطباع العام الداخلى والخارجى عن مصر بات أنها دولة لا تلتزم بالقانون ولا تحترم تعاقداتها ولا تمتلك رؤية واضحة فى قراراتها لحسم المنازعات، فسلامة النظام القانونى للدولة واستقرار المراكز القانونية يعد أهم عناصر تقييم مناخ الاستثمار فى أى دولة، فقد يخطئ الجهاز الإدارى لكن طالما لم يدفع المستثمر رشاوى أو يرتكب جريمة فلا تجوز معاقبته بذنب الدولة أو لعدم عدالة النظام القانونى، بما يهدد الاستثمارات القائمة ويمنع تعبئة أخرى جديدة”.
ودعا سرى الدين إلى ضرورة ضبط المنظومة التشريعية، خاصة الاقتصادية ومنها قوانين التصفية والافلاس والخروج الآمن والدخول السريع إلى السوق.
ورغم ذلك، رأى سرى الدين أن المشكلة الحالية والأساسية تنفيذية وإجرائية أكثر منها تشريعية، لأن ما يحدث من استسهال المسئولين بذهابهم إلى عدم تفعيل وتنفيذ تعاقدات بدعوى حماية المال العام يعد جريمة، لانها تحد من دورة الاستثمار وتزيد من المشاكل التى تواجهها البلاد وتقودها إلى الوقوف أمام مراكز التحكيم الدولية ما يرهق البلاد ماديا إلى جانب توقف مشروعات بملايين الدولارات ويحد من قدوم استثمارات جديدة.
وقال: «عدم اليقين وعدم الاستقرار القانونى والتشريعى هو عين الإضرار بالمال العام وليس العكس، ولاشك ان تعاقدات النظام السابق شابها فساد ليس بالضرورة مالى بل إداري، والحكومة كثيراً ما وقعت تعاقدات مع مستثمرين ثم طالبتهم بامكانية تغيير قيمة السعر بعد سنوات ووافق المستثمرون وسددوا ما تم الاتفاق عليه، وبعد سنوات فوجئوا بمطالبتهم بسداد مستحقات جديدة، رغم ان الجهات الإدارية فى الدولة لم تنفذ التزاماتها بترفيق الأراضى أو توصيل الطاقة.
وأشار المستشار القانونى لعدد من الشركات العاملة فى مصر إلى مشكلة أخرى تتمثل فى عدم الانضباط فى البلاغات والشكاوى التى تستخدم مع الأحكام القضائية، فى المزايدات السياسية والتشكيك فى الذمم المالية وتداخل كبير للاجهزة الرقابية بعيدا عن ضبط المخالفات.
ورأى سرى الدين أن المواطن البسيط الباحث عن فرصة عمل هو المتضرر الأكبر من التباطؤ الحكومى فى حسم المنازعات الاستثمارية، فرغم أن الاقتصاد يحتاج إلى استقرار أمنى لكن استقرار البيئة الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار يعمل على ضبط الانفلات الأمنى والحد من التظاهرات الفئوية ويحفظ أركان الدولة.
ووصف سرى الدين المرحلة التى تلت ثورة 25 يناير 2011 بأنها عبثية، وطالب القائمين على إدارة الدولة بسرعة الحسم وفقا لبنود وصحيح القانون، حتى لا نخرج من دائرة المنافسة الشرسة على الاستثمار الاجنبى المباشر، فهناك بلاد ضرائبها اكثر من مصر وتجذب استثمارات اكبر نظرا لسلامة وصحة مناخها الاستثمارى واحترام الدولة لتعاقداتها، لكن مصر مؤهلة لتعبئة استثمارات أكبر لكفاءة ورخص عمالتها إلى جانب تكلفة الضرائب والجمارك البسيطة والبنية الأساسية التى لم تتأثر بالأحداث الأخيرة.
وتطرق إلى أزمة الشركات التى عادت بأحكام قضائية إلى حوزة الدولة بعد خصخصتها بسنوات، وقال: ”الحكومة ليس أمامها سوى تنفيذ الاحكام النهائية باسترداد الاصول، فالحلول الودية لم تعد متاحة حالياً”.
ووصف سرى الدين الأحكام القضائية الأخيرة ببطلان خصخصة شركات القطاع العام بأنها جاءت تحت ضغط من الرأى العام الذى وضع جميع الأصول التى بيعت فى دائرة الفساد.
وتساءل رئيس هيئة سوق المال الأسبق عن كيفية إبطال عقود تجارية لم يصدر بشأنها أحكام جنائية تثبت الفساد الذى شابها، وفى الوقت نفسه كيفية ابطال عقود استثمارية وفقاً لأحكام جنائية لم يصدر بشأنها أحكاما فى منازعات تجارية؟.
كما تساءل المستشار القانونى عن كيفية رد أصول عبارة عن شركة متداولة بالبورصة وتولدت مراكز قانونية مختلفة، وطريقة اعادة أصول تمت تصفيتها بالكامل، فهناك استحالة مادية لتنفيذ الاحكام وكان يفضل تسويتها وديا قبل القضاء، مشيراً إلى صدور أحكام ضد المشترى رغم انه لم يمثل بالدعوى من الأساس.
وتابع قائلاً: ما يحدث حالياً يضعف قدرة أى حكومة على حل هذه النزاعات وفض ذلك الاشتباك بين جميع الإدارات التنفيذية والقضائية والرقابية والإدارية، فالمسألة باتت قضية دولة ولابد من التحرك السريع لإنجازها.
وقلل من صعوبة حل المنازعات الاستثمارية الصادر بشأنها أحكام نهائية وباتت “ودياً”، وشدد فى الوقت نفسه على ضرورة أن تنفذ الحكومة الأحكام القضائية أولاً للحفاظ على استقرار المراكز القانونية، فهناك شركات تمت تصفيتها وبيع أصولها ولم يعد المستثمر الأصلى حيا ما يجعل من التسوية المادية مستحيلة، كما يتطلب الموقف أيضاً مراعاة موقف العمالة التى ستخلفها تلك المنازعات وليس بالضرورة ان تعود للعمل بالشركات المستردة، وإنما تلتزم الدولة بتعيينها فى شركات أخرى أو تعويضها مادياً.
وفقاً لدكتور هانى سرى الدين، فإن التحكيم الدولى لا يعمل ضد مصر، لكن الدولة تذهب للتحكيم الدولى بعقود سيئة الصياغة وممثلين قانونيين غير متخصصين وجهاز إدارى منهك ومريض لا يمد الدفاع بالمستندات التى تدعم موقفه، إلى جانب أن ممثلى الحكومة ينصب دفاعهم على أسباب شكلية وليست موضوعية، ما ولد انطباعاً عن مصر بأنها لا تحترم تعاقداتها.
أوضح سرى الدين أن فرض الثورات واقع استثنائى فى التعامل مع عقود الاستثمار، التى وقعها النظام السابق وثار بشأنها جدل كبير، يشترط اثبات فساد تلك التعاقدات قضائيا، فوقتها التحيكم الدولى يعمل بمبدأ مابنى على باطل فهو باطل، لكن ما حدث أننا خلطنا جميع الأوراق وأدنَّا الدولة امام العالم ولم ندين النظام، ففقدنا مصداقيتنا ومازلنا نتعامل مع المستقبل بنفس آليات الماضى، فلم نهدم الآليات القديمة ولم نؤسس نظاماً استثنائياً إدارياً وقانونياً.
قال: لابد أن تقوم الحكومة الحالية بالمصالحة مع الماضى، فمازلنا نتحدث عن الاطار الاجرائى والإدارى القائم ولم نزل أسباب المشكلات، والإدارة الحالية تعمل على علاج مشاكل وامراض الماضى بنفس طريقة التفكير والتشريعات التى اوجدتها، بينما لابد من تحديد المشاكل بشكل قطاعى فلايوجد حل سحرى يمكن تعميمه ويخرجنا من مأزقنا.
وطالب سرى الدين القائمين على إدارة المرحلة الحالية بسرعة العمل على تصحيح المسار الاقتصادى والتشريعى والسياسى والإجرائى والتنظيمي، وقال: قمنا بثورتين يناير 2011 ويونيو 2013 إلا أنهما لم تكتملا، الأولى مازال النظام الذى ثارت عليه يحكم عبر اجنحته المختلفة، والثانية لايزال نظام الحكم الدينى يزيد من حالة الاحتقان السياسى ويفرض واقعاً غير مستقراً أمنياً فى الشارع.
وتابع: «الحقيقة ان ما تم هو إسقاط اشخاص فقط فانجاح الثورة لا يتم إلا بتنفيذ مبادئها وما حدث ليس عيبا فى الثوار بل من تولو الإدارة ولم يقوموا بإصلاحات جذرية فى جميع المجالات“.
وبحسب سرى الدين، فالحكومة الحالية بها قلة مؤمنة بالتغيير وعلى يقين بأن النظام الإدارى فاسد لكن لا يمتلكون القدرة على التغيير ولا يمتلكون أدوات وآليات لتنفيذ التغيير، والباقى موظفون لا يزعجهم فساد النظام الإدارى لانهم جزء منه فلاهم مؤمنون بالتغيير ولا لديهم القدرة عليه.
وأكد أن مصر فى حاجة إلى حكومة واجهزة رقابية وإدارية تحدد التغيير المطلوب وتحد من تفاقم المشكلات وتشيع الأمل عبر بث رسائل إيجابية، وطمأنة مجتمع المال والأعمال الداخلى والخارجي.
قال ان الرئيس المؤقت عدلى منصور لا يحكم إلا وفقاً لصلاحياته فى الإعلان الدستورى الاخير والكلمة العليا فى الملف الامنى للقوات المسلحة، والحكومة لها حدود فى صلاحيات معينة يخرج عن نطاقها الامن والقوات المسلحة الفاعل الرئيسى فيه، لكن لدينا مناطق ملتبسة كملف الإصلاح السياسى فليس هناك من يقوده بشكل صريح، مما يضعف القرارات المتخذة، رغم أن الحكومة لديها اطار أكبر للتحرك عن ذى قبل.
ووصف الوضع الاقتصادى بأنه تعس ومحزن ولن تقدر الحكومة على إسعافه بشكل جذرى الآن وما عليها إلا أن تعمل على خلق مناخ سياسى مستقر ومتوازن ومستدام عبر مصارحة أكبر للشعب، حتى يتقبل إجراءات قد تكون عنيفة بعض الشىء مثل هيكلة الدعم، بالتوازى مع العمل على معالجة عجز الموازنة وإجراء اصلاحات ضريبية أكثر عمقاً.
وقال: ”المرحلة الحالية تتطلب مسكنات ومهدئات ولا تحتمل عمليات جراحية، عبر التعامل مع المساعدات الخليجية باقصى درجات الحذر واستخدامها باقصى قدر من الكفاءة لخلق فرص عمل وتوجيهها للمناطق الاكثر فقراً.
ودعا الحكومة إلى ضرورة التعامل مع المرحلة الانتقالية بأقصى درجات الانضباط والحذر، واحتواء جميع المحافظات خاصة الأكثر فقراً بشكل سياسى واجتماعى حتى لا تصدر مشاكل قد لا تكون الدولة مستعدة لحلها حالياً.








