الحكومة الحالية وما يأتى بعدها من حكومات مطالبة بتحقيق إقتصاد مستقر بمعدلات نمو مرتفعة بما من شأنه تحقيق الرفاهية والعدالة الإجتماعية
عدم تحقيق مطالب الثوار فى عهد جماعة الإخوان المسلمين أدى لزعزعة ثقة المستثمرين الأجانب
عرفت مصر بأنها دولة زراعية منذ القدم فالزراعة كانت محور الاقتصاد المصرى عبر عصورها كمورد مهم للدخل الا أن العصر الحديث شهد تنوعاً كبيراً للاقتصاد حيث يمكن اعتباره من أكثر اقتصاديات دول الشرق الأوسط تنوعاً، حيث يعتمد على مصادر كثيرة للدخل بجانب الزراعة كالسياحة، قناة السويس، الخدمات، الصناعة، الانتاج الثقافى والاعلامى، البترول، بالاضافة لتحويلات العاملين بالخارج والذين يفوق عددهم ثلاثة ملايين مصرى.
وقد تباين أداء الاقتصاد القومى وظهر ذلك فى تباين مؤشراته الاقتصادية فقبل ثورة يناير حقق سعر صرف الجنيه المصرى مقابل العملات الأجنبية ثباتاً نسبياً فبلغ 5.40 جنيه/ دولار أمريكى، وانصب هدف الحكومة آنذاك على تحقيق معدل نمو %8 سنوياً وبالفعل حقق المعدل %7.3 عام 2008 وارتفع الناتج المحلى الاجمالى إلى 684 مليار جنيه كما شهدت تلك الفترة العمل بنظام ضريبى جديد يضمن تحقيق ايرادات سيادية ضخمة ووضع ضوابط لعدم التهرب الضريبى والتصالح مع الممولين، ومن ناحية أخرى تراجع العجز الكلى للموازنة من %9.2 إلى %7.5 من الناتج المحلى الاجمالى وارتفعت الايرادات من السياحة وكذلك زادت تحويلات المصريين بالخارج والايرادات من قناة السويس والصادرات البترولية والدخل من قطاع الاتصالات ورغم تلك الطفرة فى الايرادات لم ينعكس ذلك الوضع الايجابى على رفاهية المواطن أو انخفاض معدل الفقر أو خفض عدد الفقراء بل تدهورت الظروف المعيشية للمواطن وارتفعت نسبة الأمية ومعدل الفقر والبطالة كما زادت العشوائيات بشكل ملحوظ وانخفض مستوى الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة وارتفعت معدلات الفساد والمحسوبية ومع تصاعد النداءات بتوريث الحكم بدأت الثورة المصرية فى 25 يناير 2011 وهو العام الذى شهدت بدايته تفجير كنيسة القديسين واستمرت موجات الثورة مدعومة بارتفاع سقف المطالب الشعبية إلى أن سقط النظام فى 11 فبراير 2011، ويمكننا تتبع الحالة الاقتصادية فى الفترة منذ تنحى مبارك حتى نهاية عام 2013 من خلال التمييز ما بين ثلاث فترات (فترة حكم المجلس العسكرى)، (فترة حكم الاخوان )، (فترة ما بعد عزل الاخوان وتولى الحكومة الانتقالية)
فترة حكم المجلس العسكرى.
بعد تنحى مبارك تم اسناد مقاليد الحكم للمجلس العسكرى فى وقت شهدت البلاد موجة من الانفلات الأمنى بالشارع المصرى وما ترتب عليه من حظر الدول الأجنبية السفر إلى مصر وبالتالى انحسار السياحة وفقد مورد مهم من موارد النقد الأجنبى ومع زيادة المطالب الفئوية والوقفات الاحتجاجية توقفت تقريباً مظاهر الحياة الانتاجية الأمر الذى أدى لتراجع الصادرات وحدوث ارتباك بالخدمات المقدمة للمواطن وقد سجلت الديون الخارجية فى نهاية تلك الفترة 34.4 مليار دولار أمريكى وبلغت الديون الداخلية 1238 مليار جنيه، كما بلغ معدل البطالة %11.9 وبلغ معد النمو الاقتصادى %2.2 بعد تحقيق %5.8 وقت تنحى مبارك وبلغ سعر الصرف 6.30 جنيهات للدولار بعد فترة من استقرار سعر الصرف عند 5.40 جنيه/دولار فى وقت ظهر فيها ما يعرف بعملية الدوللرة كما انخفض التصنيف الائتمانى لمصر عدة مرات من فبراير 2011 الأمر الذى ترك تأثيره على الاستثمارات الأجنبية والعربية فى مصر وكذلك على التعاملات التجارية الخارجية فقد انخفض حجم الاستثمارات الأجنبية من 13.5 مليار دولار 2009ـ2010 إلى ما يقرب من 2 مليار دولار خلال فترة المجلس العسكرى.
فترة حكم جماعة الاخوان
وهى الفترة التى شهدت تنصيب مرشح جماعة الاخوان د. محمد مرسى لحكم البلاد وتولى أعضاء الجماعة أغلب المناصب السيادية مع اعلان رئيس الجمهورية عن خطة المائة يوم لاعادة الانضباط والأمن والنظافة للشارع المصرى وقد تزامن ذلك مع الدعم القطرى التركى الليبى من خلال القرض القطرى البالغ سبعة مليار دولار أمريكى منها مليار دولار منحة لا ترد ومليار دولار وديعة لدى البنك المركزى المصرى وكذلك القرض الليبى الذى تمثل فى 2 مليار دولار وديعة لدى البنك المركزى المصرى بالاضافة إلى 2 مليار دولار من تركيا كما زاد حجم الاقتراض الداخلى والذى بلغ 278.5 مليار جنيه ومع عدم تحقيق خطة المائة يوم وما تلاها من زيادة المظاهرات المنددة بنظام الاخوان وعدم تحقيق مطالب الثوار أدى ذلك لزعزعة ثقة المستثمرين الأجانب والذين كانو يترقبون تحقيق مناخ ملائم للاستثمار وبعد مرور عام تم عزل الجماعة من السلطة وقد تباينت المؤشرات الاقتصادية خلال تلك الفترة حيث ارتفع حجم الدين الخارجى من 34.4 مليار دولار إلى 43.20 مليار دولار فى 30 يونية 2013 (لم يتم احتساب الوديعة الليبية) وبلغت الديون الداخلية 1553 مليار جنيه بعد أن كانت 1238 مليار جنيه فى بداية حكم الاخوان وبما يعادل %89 من الناتج المحلى الاجمالى، وارتفع معدل البطالة من %11.9 إلى %13.2 وبلغ معدل النمو الاقتصادى %2.1 أقل من الفترة السابقة وأقل من معدل النمو السكانى الذى بلغ %2.2 ما يعد مؤشراً على ارتفاع معدل الفقر ومما يقلل من رفاهية المستهلك فى ظل ارتفاع معدل التضخم كما بلغ سعر صرف الدولار سبعة جنيهات وظهور السوق الموازي والذى وصل سعر صرف الدولار فيه أكثر من ثمانية جنيهات كما واصل التصنيف الائتمانى لمصر انخفاضه حتى وصل إلى CCC+ وانخفضت الاستثمارات الأجنبية إلى 1.6 مليار دولار رغم توافد الاستثمارات القطرية والتركية ووصل الاحتياطى النقدى 14.8 مليار دولار.
فترة ما بعد عزل الاخوان
وتولى الحكومة الانتقالية
اتسمت تلك الفترة بالدعم الشعبى للحكومة الانتقالية والذى تزامن مع الدعم من دول الخليج العربى فقد زادت المساعدات المالية من دول الخليج وعلى رأسها السعودية والامارات والكويت والتى كان لها أكبر الأثر فى دعم قدرة الحكومة المصرية على سداد مديونياتها، حيث منحت الدول الثلاثة لمصر 12 مليار دولار أمريكى (خمسة مليارات من السعودية، أربعة مليارات من الكويت وثلاثة من الامارات العربية المتحدة) بالاضافة لمساعدات مالية بدون فائدة ومنح ومنتجات نفطية وصلت إلى %4.4 من الناتج المحلى الاجمالى لعام 2013 كما دعمت دولة الامارات مشروعات التنمية فى مصر بمساعدات تعادل %1.1 من الناتج المحلى الاجمالى، كل ذلك حسن من الوضع الاقتصادى لمصر وقلل من فرص تعرض ميزان المدفوعات لخلل ضخم، كما ترتب على تلك المساعدات ارتفاع احتياطى النقد الأجنبى إلى 18.5 مليار دولار أمريكى وساهم فى استقرار سعر صرف الجنيه فى مقابل العملات الأجنبية بل وارتفاع قيمته كما أن الحكومة المؤقتة كانت لديها رؤية وخطط واضحة لانعاش الاقتصاد ودعم البنية التحتية تمثلت فى الحزم المالية لدعم الاقتصاد مع تركيزها على البعد الاجتماعى بالاضافة إلى الاستقرار السياسى النسبى نتيجة التوافق النسبى بين القوى السياسية مع انهاء حالة الطوارئ بالبلاد مما يدعم الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى وبما ينعكس على قرارات المستثمر الأجنبى بالايجاب وبالفعل رفعت الدول الأجنبية الحظر على سفر مواطنيها لمصر، وخلال تلك الفترة بلغ حجم الدين الخارجى 49.3 مليار دولار أمريكى (حيث رفضت الحكومة القطرية ربط وديعتها التى سبق أن منحتها لمصر فى عهد الاخوان أو تحويلها لسندات خزانة أو وديعة لمدة محددة وقامت مصر برد 2 مليار دولار لقطر) كما زاد حجم الدين المحلى وبلغ 1590 مليار جنيه بعد ستة أشهر من تسلم الحكومة المؤقتة ادارة البلاد وبلغ معدل البطالة %14.6 فى نهاية 2013 الا أن معدل النمو بلغ %2.6 وبفضل السياسات النقدية الحكيمة للبنك المركزى انخفض سعر الصرف ليصبح 6.9 جنيه للدولار مع استمرار السوق السوداء والذى بلغ فيه سعر الدولار 7.35 جنيه، كما تم خفض العائد على أذون الخزانة فى اطار خطة لتنشيط الاقتصاد ولعل النقطة الايجابية خلال تلك الفترة تمثلت فى رفع التصنيف الائتمانى الممنوح من لمصر من قبل المؤسسات الدولية ليصبح B- كما زاد حجم الاستثمارات بسبب ضخ الأموال من جانب شركات أجنبية واستثمارات فى قطاع البترول.
ورغم الدعم الشعبى والعربى لتلك الحكومة الانتقالية وانحسار الوقفات الاحتجاجية ورفع الدول الأجنبية لحظر السفر لمصر وما واكبه من ارتفاع أعداد السائحين الأمر الذى يقود إلى انطلاقة اقتصادية الا أنه على الجانب الآخر تواتر ذلك مع الضغط الدولى خارجياً من أجل عودة الاخوان والضغط الارهابى محلياً لتعطيل خارطة الطريق الأمر الذى أدى لاستمرار تدهور المؤشرات الاقتصادية وبالتالى فالحكومة الحالية (وما يأتى بعدها من حكومات ) مطالبة بتحقيق اقتصاد مستقر بمعدلات نمو مرتفعة بما من شأنه تحقيق الرفاهية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة ومكانة دولية واقليمية مرموقة ومرضية ولتحقيق تلك المكانة لابد من وجود نظم سياسية واقتصادية واضحة ودعم للقطاعات الانتاجية ووجود قطاعات تدفع بالاقتصاد للأمام مثل تطوير السياحة وتطوير منطقة قناة السويس ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
دكتور/ طارق سعد الدين شل
مدير العلاقات الخارجية بالمصرف المتحد








