هل تشهد “تسلا” نهاية عصرها الذهبي؟


لم يلق استحواذ الملياردير إيلون ماسك على شركة “تويتر” قبولاً في وول ستريت، التي كانت تخشى أن نتسبب الفوضى والاستقطاب السياسي الذي بدأت فيه إلى تشويه العلامة التجارية لشركة صناعة السيارات الكهربائية “تسلا” ويشتت انتباهها في وقت حرج.

تحول انخفاض سعر سهم “تسلا”، الذي بدأ في الخريف، إلى انهيار ضخم، فقد أصبحت الأسهم الآن أقل 73% من ذروتها قبل عام ونصف العام، كما خسر ماسك نفسه ما يصل إلى 200 مليار دولار.

وبينما تهيمن الدراما في”تويتر” على عناوين الأخبار، فإن تغييراً عميقاً في نظرة “تسلا” يجري أيضاً، فالفترة الناجحة التي بلغت فيها قيمة الشركة ذروتها عند 1.3 تريليون دولار تقريباً وكان يُتوقع أن تصل أرباح ما بعد الضرائب إلى نحو 13 مليار دولار 2022، أتاحت المجال سريعاً لصورة اقتصادية أكثر قتامة.

تحول قلق مستثمري “تسلا” من كيفية إنتاج الشركة لعدد كافي من السيارات لتلبية الطلب، إلى أين ستجد عدداً كافياً من العملاء لتبرير زيادة إنتاجها بشكل حاد؟

ذكرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية أن النمو في عمليات تسليم السيارات الجديدة تباطأ إلى 40% العام الماضي تراجعاً من 87% العام السابق، لكن هذه الوتيرة ما زالت سريعة لـ”تسلا”، لكنها أقل من المعدل الٍسنوي 50% الذي حدده ماسك ليكون معيارا للمستقبل.

قال فيليب هوشوا، محلل سيارات عالمي في مصرف جيفريز في لندن، إنه مع تكثيف “تسلا” للإنتاج بوتيرة سريعة في مصانع جديدة عملاقة في تكساس وألمانيا، ثمة مشكلة إضافية تتمثل في إيجاد عملاء أكثر.

وأوضح أن هذا جعل الشركة تواجه عاصفة مثالية، بداية من زيادة العرض وتراجع الطلب واشتداد المنافسة، وكل ذلك على شفا ما قد يكون انكماشاً حاداً لصناعة السيارات العالمية.

هذا الأمر ترك “وول ستريت” تبحث عن أدلة حول آفاق الشركة عندما يمكن أن يكون نقطة تحول مهمة.

هل هذه نهاية عصر النمو الذهبي لشركة “تسلا”، فضلاً عن حياة ماسك الذي يعد مبتكراً يحظى بالاحترام وبطل مستقبل الطاقة المستدامة؟

أو كما يدعي محبو “تسلا”: هل سيعزز الانكماش الاقتصادي بالفعل ريادة الشركة على بقية عالم السيارات الكهربائية، ما يجعل ماسك يقترب خطوة من هدفه في السيطرة على صناعة سيارات جديدة تعتمد على السيارات الكهربائية؟

رغم أن تحول ماسك نحو “تويتر” قد حفز إعادة التفكير في وول ستريت بشأن “تسلا”، إلا أنه لا يوجد دليل يذكر على أنه كان لهذا تأثير مباشر في مبيعات السيارات.

وجد استطلاع أجرته شركة “مورنينج كونسولت” أن نسبة البالغين في الولايات المتحدة الذين لديهم وجهة نظر إيجابية حول “تسلا” انخفضت بين شهري أكتوبر ونوفمبر بمقدار 6%، فيما انخفض عدد الديمقراطيين، الذين يرجح بشكل أكبر أن يكونوا عملاء للسيارات الكهربائية، بمقدار 20%.

لم يكن بإمكان ماسك أن يشوه اسم العلامة التجارية لشركته الخاصة في وقت أسوأ من هذا، فقد اجتمع ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة ليتركا كثيراً من العملاء المحتملين أسوأ حالاً وسط زيادة تكلفة تمويل سيارة جديدة أيضاً.

وهذا يأتي بعد سلسلة من الزيادات في الأسعار التي دفعت بها “تسلا” خلال الوباء، إذ ارتفعت تكاليف المواد، ووفر الطلب الكبير فرصة لملء هوامش الأرباح.

أدت الأسعار المرتفعة وتكاليف التمويل إلى رفع متوسط القسط الشهري للسيارة في الولايات المتحدة نحو الربع خلال العامين الماضيين، إلى نحو 700 دولار، بحسب آدم جوناس، محلل في “مورجان ستانلي”.

في مذكرة كتبها للمستثمرين الشهر الماضي، حذر جوناس من أن هذا سيضعف الطلب على قطاع السيارات الكهربائية بالكامل، بينما يترك “تسلا” أيضاً في مواجهة “خلفية متدهورة على مستوى الاقتصاد الكلي وعدم قدرة قياسية على تحمل التكاليف ومنافسة متزايدة”.

لا شك أن الآثار واضحة، فقد اختفت قوائم انتظار سيارات “تسلا” الأكثر شعبية في الولايات المتحدة والصين، بعد أن كانت تمتد لمدة ستة أشهر أو أكثر في أوائل 2022.

سلمت “تسلا” ما يصل إلى 405,278 سيارة جديدة فقط للعملاء في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، بانخفاض كبير عن 500 ألف سيارة كان يأمل فيها البعض مؤخراً حتى سبتمبر الماضي.

في الوقت نفسه، أصبحت المنافسة في سوق السيارات الكهربائية جدية أخيراً بعد عقد من إطلاق سيارة “تسلا موديل إس”.

وفي الوقت الذي تستعد فيه الجهات التنظيمية في أوروبا وأماكن أخرى للضغط على مبيعات السيارات العاملة بالبنزين بشكل كامل، تطلق شركات صناعة السيارات العالمية على نحو متزايد سيارات مصممة لتتمتع بجاذبية واسعة النطاق، بدلاً من الموديلات الأولى التي كانت بحاجة إلى بيعها بأعداد محدودة، فقط لتحقيق أهداف الانبعاثات.

ضخت شركة “فولكس فاجن” المليارات في نظامها الخاص الذي يدعم الطرازات عبر مجموعة “فولكس فاجن” و”أودي” و”سكودا”، فيما أطلقت “هونداي” و”كيا” سلسلة من الموديلات التي حظيت بالثناء على نطاق واسع.

كذلك، تعهدت شركتا “فورد” و”جنرال موتورز” بشكل منفصل بإنفاق ما بين 30 و35 مليار دولار لتطوير سيارات كهربائية جديدة.

يذكر أيضاً أن حصة “تسلا” من مبيعات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة تراجعت إلى 65% في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، انخفاضا من 79% في عام 2020، وستتراجع إلى أقل من 20% بحلول عام 2025، بحسب “ستاندرد آند بورز جلوبال موبيليتي”.

ربما يؤدي التدافع على موطئ قدم بين كثير من الوافدين الجدد إلى فترة من الاضطرابات التنافسية.

يقول كارلوس تافاريس، الرئيس التنفيذي لشركة “ستيلانتس”: “لن يكون الأمر سهلاً”، مضيفاً أن خفض سعر السيارات الكهربائية سيكون أمراً أساسياً، فدون القدرة على تحمل التكاليف، لن تكون الطبقات الوسطى قادرة على الانضمام إلى النادي، وعندها لن يكون لدينا تأثير كبير كاف لحماية الكوكب، وتواجه “تسلا” ضغوطاً مشابهة لخفض تكاليفها وأسعارها لتحقيق أهداف النمو المتسارع.

وبعد رؤية ارتفاع متوسط سعر البيع لسياراتها ليصل إلى 52,500 دولار في الربع الأخير، أي نحو 5000 دولار أعلى من العام السابق، قد يصبح إيجاد طريقة لخفض الأسعار إلى مستوى السوق الشاملة الحقيقية المفتاح للوصول إلى هدف مبيعات ماسك الطموحة البالغة 20 مليون سيارة في العام بحلول 2030.

يقول أحد كبار المستثمرين في “تسلا”، إن “ماسك يكرر باستمرار حقيقة أن شريحة محدودة فقط من المجتمع يمكنها تحمل تكلفة سيارة موديل 3، وسنحتاج إلى سيارة كهربائية يستطيع الناس تحمل تكلفتها، وشركة تسلا في وضع جيد جدا للقيام بذلك”.

قال الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا” في مكالمة مع محللي وول ستريت العام الماضي، إن الشركة بدأت في التفكير في كيفية بناء سيارة جديدة منخفضة السعر، على الرغم من أنه لم يذكر المدة التي قد تستغرقها هذه الفكرة لتصبح حقيقة واقعة.

خطوة “تسلا” التالية ستساعد على تحديد المكان الذي سينتهي إليه سعر سهمها في النهاية.

ورغم التراجع، لا يزال يتم تداول أسهمها بنحو 28 ضعف الأرباح المتوقعة هذا العام، وهي علاوة ضخمة بالنسبة إلى شركات صناعة السيارات الأخرى.

من المحتمل حدوث إعادة تصنيف أكثر شدة لأسهمها، بحسب المدير التنفيذي المخضرم لصناعة السيارات بوب لوتز، حيث يدرك المستثمرون أنها لا تتمتع بأي مزايا تكنولوجية معينة لتبرير تقييمها على أنها شركة تكنولوجيا عالية النمو.

ينسب لوتز، الذي سبق أن شغل مناصب عليا في شركات “فورد” و”كرايسلر” و”جنرال موتورز”، الفضل إلى ماسك “بإعادة سمعة التميز في الابتكار التكنولوجي إلى صناعة السيارات الأمريكية بمفرده”.

لكن مع توافر التكنولوجيا الكامنة وراء المحركات الكهربائية وبطاريات الليثيوم-أيون وإلكترونيات التحكم على نطاق واسع لشركات صناعة السيارات الأخرى، يجادل بأن “تسلا” مقدر لها أن ينظر إليها على أنها مجرد شركة أخرى لصناعة السيارات من بين كثير من الشركات، مع تقييم أكثر تواضعا من جانب سوق الأسهم، لكن أنصار ماسك يقولون إن هذا يقلل من أهمية المزايا الأكثر ديمومة التي بنتها الشركة في العقد منذ إطلاق “موديل إس”.

يقول بيير فيراجو، محلل في “نيو ستريت ريسيرتش” إن كثيراً من التطورات التكنولوجية التي توصلت إليها، من تصميم خلايا البطارية والتعبئة والتغليف إلى تكنولوجيات التصنيع، إلى صب أقسام كبيرة منها في أحدث الموديلات في قطعة واحدة لتقليل عدد القطع، منحتها ميزة واضحة للتكلفة.

وأضاف أن “تسلا” تتمتع أيضاً بهامش ربح إجمالي رائد في الصناعة، ما يمنحها شبكة أمان لخفض الأسعار للحفاظ على النمو.

وسيتعين على شركات صناعة السيارات الأخرى التي لديها هوامش ربح أقل على المركبات الكهربائية أن تقلل الاستثمار الرأسمالي، ما يقلل المنافسة.

إذا كان هذا صحيحا، فإنه يشير إلى أن “تسلا” قد تخرج من الانكماش في مركز أقوى مقارنة بمنافسيها، ما يهيئها لمرحلة النمو التالية، لكن حالياً أدى القلق من أنها ستواجه نموا أبطأ وستضطر إلى خفض أرباحها لدعم المبيعات إلى إثارة مخاوف وول ستريت.

يقول جاليليو راسل، عضو في جيش “تسلا” من المستثمرين الأفراد المخلصين، إنه رغم أن الجدل الدائر حول شركة تويتر “محبط”، إلا أنه يخطط للإضافة إلى مركزه في شركة تسلا للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

مواضيع: تسلا

منطقة إعلانية

نرشح لك


https://www.alborsaanews.com/2023/01/15/1620622