سوق العمل ما زال ساخناً جدا لدرجة تُصعب تهدئته
عادةً ما تعتبر كتابة الأرقام الاقتصادية حتى الرقم العشري الثالث تمرينا زائف الدقة، لكن بعد عامين من التضخم المرتفع بشكل غير مريح، أجريت دراسة إحصائية للأسعار بتفاصيل دقيقة.
بلغت الزيادة غير المسجلة على أساس شهري في التضخم الأساسي في الولايات المتحدة- مطروحًا منها تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة- 0.158% خلال يونيو، وهي نسبة تُرضي المسؤولين بشكل أكثر من الزيادة البالغ نسبتها 0.2%، والتي كانت في حد ذاتها أبطأ وتيرة في أكثر من عامين.
ورغم وجود العديد من الأرقام العشرية، يبقى السؤال المثار كما هو.. هل يمكن أن تتفشى الحمى التضخمية لأمريكا؟
كانت الأرقام الأخيرة مصحوبة بكثير من الأخبار الجيدة، إذ ركزت العناوين الرئيسية على التباطؤ في المؤشر العام لأسعار المستهلك، والذي ارتفع بنسبة 3% فقط على أساس سنوي في يونيو، مسجلاً تباطؤا حادا من وتيرة 9% في يونيو 2022، ويرجع الفضل في ذلك لحد كبير إلى انخفاض أسعار الطاقة.
ومع ذلك، بدت مجموعة من مقاييس التضخم الأساسي جذابة أيضًا، بحسب ما ذكرته مجلة “ذا إيكونوميست” البريطانية.
وعلى وجه الخصوص، انخفضت أسعار الخدمات الأساسية باستثناء الإسكان- وهي فئة يشير إليها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول، باعتبارها مؤشرا على الزخم التضخمي الأساسي- انخفاضًا طفيفًا في يونيو مقارنة بشهر مايو.
ربما يكون من المتوقع أن يدفع مثل هذا التقرير الحميد للتضخم، البنك المركزي إلى إبقاء أسعار الفائدة ثابتة عند اجتماعه التالي في نهاية يوليو الحالي ، رغم أنه ليس من الحكمة أبدًا قراءة الكثير في شهر واحد من البيانات.
لدى صُناع السياسة في بنك الاحتياطي الفيدرالي الكثير ليأخذوه في الاعتبار في قرارهم، بدءًا من سوق العمل.
كما سلطت مجموعة من المؤشرات الضوء على مرونته الرائعة، فلكل شخص عاطل عن العمل في أمريكا، ستجد 1.6 وظيفة متاحة، وهي نسبة أقل قليلاً منذ منتصف عام 2022، لكنها تتجاوز بكثير معيار ما قبل الجائحة، فمنذ فبراير 2020، أضاف الاقتصاد ما يقرب من 4 ملايين وظيفة.
كما أن ما يقرب من 84% من العمال في سن الرشد هم الآن في العمل أو يبحثون عن عمل، وهو أكبر عدد منذ عام 2002، كما أنه يزيد بمقدار 1% فقط عن أعلى مستوى له على الإطلاق.
من وجهة نظر العمال، فإن هذا النشاط يعتبر موضع ترحيب، فقد كان نمو الأجور سريعًا بالنسبة لوظائف قطاع الخدمات التي تتطلب تعليمًا أقل، مثل البناء، وهذا بدوره ساعد في تضييق التفاوت في الدخل.
في الوقت نفسه، يستفيد الأشخاص الأقل ثراءً من سوق العمل الضيق، كما بلغ معدل البطالة للأمريكيين السود 4.7% في أبريل، وهو مستوى قياسي منخفض.
ولكن هل يتغذى هذا الضيق في سوق العمل على ارتفاع الأسعار بشكل أوسع؟
على سبيل المثال، ارتفعت الأرباح لكل ساعة في يونيو بوتيرة سنوية قدرها 4.4%، بما يتوافق مع معدل تضخم أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
تشير المقاييس البديلة إلى أن الاتجاه الصعودي قد يكون أكثر حدة، فيما يشير تعقب من فرع أتلانتا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى نمو سنوي للأجور يبلغ حوالي 6% خلال العام الحالي.
نتيجة لذلك، ورغم التباطؤ الأخير في التضخم، فإن صورة التوظيف الساخنة تضمن استئناف بنك الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة بعد توقف قصير الشهر الماضي، كما تحدد الأسواق الآن احتمالية نسبتها 92% لارتفاع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة في يوليو.
الأمر غير المؤكد هو ما سيفعله بنك الاحتياطي الفيدرالي بعد ذلك، فقبل صدور بيانات التضخم لشهر يونيو الماضي ، أشار باول والعديد من زملائه إلى أن البنك المركزي الأمريكي سيعلن زيادة أخرى في أسعار الفائدة قبل نهاية العام الحالي، لكن هذا الأمر أصبح الآن موضع شك.
فإذا تراجع التضخم مرة أخرى في شهري يوليو وأغسطس، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيتعرض لضغوط شديدة لإنهاء دورة التشديد النقدي، فثلاث أرقام عشرية لن تقوده إلى التوقف. لكن ثلاثة تقارير متتالية عن التضخم الضعيف يجب أن تفي بالغرض.








