أنهت بورصة الدار البيضاء في المغرب عام 2025 بسجل حافل بالأرقام القياسية، فقد حقق مؤشرها الرئيسي عدة ذروات، وجذبت الطروحات الأولية أكبر عدد من الاكتتابات، وأقبل المستثمرون الأفراد بكثافة على التداول، وتستهل العام الجديد بزخم يبدو مرشحاً للاستمرار.
لا حديث العام الماضي في أروقة بورصة المملكة ومواقع التواصل الاجتماعي إلا على تدفق غير مسبوق للمستثمرين الأفراد الذين باتوا يزاحمون المؤسسات الاستثمارية، وهو ما كان جلياً بشكل كبير في الطروحات العامة الثلاثة التي استقبلتها في 2025 وحطمت خلالها كل الأرقام القياسية.
يأتي هذا الزخم في وقت تستعد سوق الأسهم المغربية للاحتفال بمرور قرن على تأسيسها بعد أربع سنوات، في وقت سجلت فيه أغلب الشركات المُدرَجة خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً في أسعار أسهمها، دون أن تشهد السوق أي تراجع إلى ما دون عتبة سعر الطرح.
قفزة مؤشر “مازي”
المؤشر الرئيسي “مازي” حقق قفزةً تاريخيةً غير مسبوقة العام الماضي حين عانق لأول مرة في تاريخه مستوى 20233 نقطة في عز شهر أغسطس الحار، قبل أن يستقر بنهاية ديسمبر الماضي قُرب 19 ألف نقطة، مُضيفاً أكثر من أربعة آلاف نقطة إلى رصيده خلال عام واحد.
عبدالرزاق مغراوي، الرئيس التنفيذي لشركة “سرفل أسيت مانجمنت” (Serval Asset Management) يرى أن “بورصة الدار البيضاء استمرت خلال عام 2025 في مسار إيجابي بدأ سنة 2023″، وأضاف أن “توالي سنوات المكاسب جذب عدداً من المستثمرين خصوصاً الأفراد، وكان جلياً حضورهم في المعاملات اليومية حيث باتوا يُمثلون حالياً قرابة الثلث”.
أنهى مؤشر الأسهم المغربية عام 2025 بارتفاع 27.5%، وهو العام الثالث على التوالي الذي يحقق فيه مكاسب من رقمين، وهو الأفضل على الإطلاق منذ تسع سنوات، وفقاً لبيانات جمعتها “الشرق”.
في مؤتمر صحفي في مقر بورصة الدار البيضاء في ديسمبر، قال إبراهيم بنجلون تويمي، رئيس مجلس إدارة سوق الأسهم، إن البورصة تمر بفترة ازدهار، وأشار إلى أن ارتفاع عدد المكتتبين يجعل الطروحات العامة الأولية التي شهدتها السوق بمثابة تجديد للثقة في حاضر ومستقبل الاقتصاد المغربي.
80 شركة بقيمة تتجاوز تريليون درهم
تُتداول في بورصة الدار البيضاء أسهم 80 شركة بقيمة سوقية تجاوزت عتبة تريليون درهم (110 مليارات دولار). وتطمح المملكة لبلوغ 300 شركة خلال بحلول عام 2035، عبر تحفيز الشركات العائلية والصناعية على الإدراج. وقد أطلق المغرب في أكتوبر برنامجاً جديداً لتشجيع ودعم 30 شركة لمساعدتها على النمو وتسهيل وصولها إلى تمويلات سوق الأسهم من خلال عملية الإدراج.
كانت السنوات الماضية تشهد طرحاً عاماً واحداً في المتوسط، لكن 2025 كانت استثناءً بثلاثة طروحات أولية: شركة “فيسين” (Vicenne) للمعدات الطبية في يوليو، و”كاش بلس” (Cash Plus) في بداية ديسمبر وهي أول شركة “فنتك” تدخل سوق البورصة، وعملاقة البناء “الشركة العامة للأشغال بالمغرب” (SGTM) منتصف ديسمبر.
لم يكن الاستثناء فقط على مستوى عدد الطروحات، بل على ما حققته من إقبال غير مسبوق في تاريخ سوق الأسهم ونمو أسعار أسهم الشركات بعد الطرح.
بيّن مغراوي في مقابلة مع “الشرق” أن “الطروحات تبقى فرصةً للمستثمرين وتعرف جاذبية كبيرة، وقد تجلى ذلك في الطروحات العامة الأولية الثلاثة”، وأضاف أن “أداء بورصة المغرب يندرج في سياق ماكرو اقتصادي إيجابي، فالتضخم انخفض تدريجياً إلى أقل من 1%، وهو ما دفع بنك المغرب المركزي في السنوات الماضية لخفض الفائدة، وأبقاها دون تغيير في 2025 عند 2.25%، وهذا الخفض انعكس على البورصة كخيار مُفضل للمستثمرين لأن الفائدة هي أكبر منافس لها”.
يُحاول المغرب تطوير سوق الأسهم حيث أصدر في سبتمبر أول التراخيص لصالح ثلاث شركات لممارسة نشاط تداول الأدوات المالية الآجلة، وهي خطوة حاسمة لتفعيل سوق المشتقات الجديدة في البورصة، والهدف هو تمكين المستثمرين والشركات من التحوط من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار في المستقبل. كمت تم إقرار قانون يسمح بإنشاء صناديق الاستثمار المتداولة والمتوافقة مع الشريعة والمقومة بالعملات الأجنبية.
كانت اكتتاب شركة “SGTM” التي تُشيد أكبر ملعب في العالم بمثابة نقطة تاريخية في سجل سوق الأسهم، فقد تخطت الرقم القياسي لعام 2004 من حيث عدد المكتتبين والذي كان من نصيب شركة “اتصالات المغرب”، واحتفظت به لأزيد عن عقدين.
لماذا تزدهر بورصة المغرب؟
يمر اقتصاد المغرب بمرحلة مفصلية، فبعد ستة أعوام من الجفاف التي أثرت على نمو الناتج المحلي، بات الموسم الفلاحي الجديد مُبشراً للمزراعين بفضل أمطار غزيرة في ديسمبر، كما يشهد الاستثمار انتعاشاً كبيراً بدعم من الحكومة والقطاع الخاص، إذ يُتوقع أن يسجل النمو هذا العام هذا العام 5%، وهو الأعلى منذ 2021.
وقد حققت الإيرادات الإجمالية للشركات المُدرَجة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي نمواً بنحو 6.5% إلى 248 مليار درهم، وكان ذلك مدفوعاً بنمو اقتصادي استفاد من انتعاش القطاع الزراعي، وتضخم مضبوط ودينامية إيجابية لمشاريع البنية التحتية التي تشمل قطاعات عدة، والتي تدخل ضمن استعداد البلاد لاستضافة تظاهرات رياضية عالمية، على رأسها كأس العالم لكرة القدم بنهاية هذا العقد، وفقاً لتقرير لشركة التحليلات المالية في البورصة “MSIN”.
وسط هذا الزخم، أصبح المستثمرون يراهون على سوق البورصة باستثمارات كبيرة بحكم الأداء الإيجابي التي حققته في ظل انخفاض أسعار الفائدة وتوقعات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، وفقاً لمغراوي، الذي أضاف: “بصفة عامة هناك ثقة من طرف الفاعلين الاقتصاديين وهو ما يُحفز على الاستثمار والاستهلاك، وهذا مدعوم بالتظاهرات الرياضية التي تستضيفها البلاد كأس أفريقيا للأمم حالياً وكأس العالم 2030”.
تنعكس الاستثمارات الضخمة التي تشهدها البلاد على الرؤية المستقبلية، حيث تشير توقعات وزارة الاقتصاد والمالية إلى الناتج المحلي للبلاد سيتجاوز عتبة تريليوني درهم لأول مرة في 2028، ما يُمثل زيادة بنسبة 28% خلال أربع سنوات.
ماذا تحمل سنة 2026؟
لطالما حاول المسؤولون في بورصة الدار البيضاء التأكيد على أن سوق الأسهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد وتساهم في تمويل استثمارات وتوسعات الشركات، كما أنها تتأثر بزخم النمو الاقتصادي وتمثل مقياساً لثقة المستثمرين.
ويسعى المغرب لجني ثمار استضافة تظاهرات رياضية يتعدى أثرها وصول الجماهير وإنفاقهم خلال فترة محددة، إلى جعل البلاد وجهة سياحية واستثمارية بامتياز، ولعل ضخ استثمارات حكومية تُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة سيكون دافعاً قوية للقطاع الخاص.
وتُشير التوقعات إلى الطفرة التي شهدتها البورصة العام الماضي ستستمر خلال السنة الحالية، وفقاً لمغراوي، حيث يرى أن “السياق الماكرو-اقتصادي يوفر رؤية واضحة ويُعزز الاستثمار والاستهلاك وهما مؤشران إيجابيان للشركات”.
بحسب مغراوي، فإن مستوى العائد لدى الفائدة والسندات يبقى منخفضاً، لذلك سيواصل المستثمرون تفضيل سوق الأسهم، كما أكد أن مستويات تقييم الشركات المُدرَجة جيدة، وهو ما سيكون عامل جذب للشركات غير المُدرَجة، متوقعاً أن تشهد السنتان الحالية والمقبلة عدداً كبيراً من الطروحات العامة الأولية.
ويحتاج المغرب لرفع وتيرة الطروحات العامة الأولية لبلوغ مستهدف 2035، وتعمل على الأقل خمس شركات على حسم الإدراج خلال السنة الجارية، وفقاً لمعطيات حصلت عليها “الشرق” من بنوك تعمل ضمن الاستشارة المالية للطروحات في المملكة.
عوامل إيجابية تدعم سوق الأسهم المغربية
يُتوقع أن تُشكل سنة 2026 امتداداً للمنحى الإيجابي الذي انطلق في سوق الأسهم المغربية منذ 2023، مدعوماً بعدد من العوامل الاقتصادية والقطاعية التي تُعزز جاذبية السوق المالية، وفقاً لتقرير لشركة “MSIN” للتحليلات المالية والوساطة في البورصة.
من أبرز هذه العوامل، توقعات التحكم التضخم في حدود 1% خلال 2026، ما سيفسح المجال لمواصلة تيسير السياسة النقدية إلى غاية نهاية العام. كما أن استمرار المنحى التنازلي لأسعار الفائدة من شأنه أن يخلق فرص تحكيم إضافية تصب في مصلحة سوق الأسهم مُقارنة بباقي الأدوات الاستثمارية.
ويرتقب أيضاً أن تستفيد السوق من الارتفاع القوي في أرباح الشركات المدرجة خلال العام الماضي، مدفوعةً بالأداء الجيد لقطاعي البنوك والبناء. ويُعزز هذا التوجه استمرار تعافي النشاط الاقتصادي في عدة قطاعات حيوية، من بينها البناء، والسياحة، والبنوك، وتنظيم التظاهرات، والنقل، والاتصالات التي تستفيد من تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، وفقاً للتقرير.
وعلى المستوى الفلاحي، يُعزز تسجيل تساقطات مطرية مهمة خلال شهري نونبر ودجنبر الآمال في تحقيق موسم فلاحي جيد جداً، ما قد يضع حداً لسلسلة من سنوات الجفاف المتتالية، وينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي والاستهلاك الداخلي.
ومن بين العوامل الداعمة للسوق، تبرز إمكانية عودة المغرب خلال العام الجاري إلى مؤشر “MSCI” للأسواق الناشئة، عقب التحسن الملحوظ في سيولة السوق، بحسب تقرير شركة “MSIN”، المملوكة لمصرف القرض الفلاحي للمغرب، المملوك للحكومة.
كما أن استعادة المغرب لتصنيف الدرجة الاستثمارية من وكالة التصنيف الائتنماني “إس آند بي”، وهو البلد الوحيد في أفريقيا الذي يحظى بهذا التصنيف، من شأنه خفض كلفة التمويل الخارجي وتمكين الحكومة من تنويع مصادر تمويلها.








