مع استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية، اكتفى أقرب حلفاء طهران، روسيا والصين، بانتقادات دبلوماسية حادة في لهجتها، محدودة في مضمونها، ما يكشف السقف الواقعي لما تسميه إيران “شراكاتها الاستراتيجية” مع موسكو وبكين.
فقد أدان مسؤولون من البلدين الضربات التي تقودها الولايات المتحدة، لكنهم تجنبوا التعهد بأي دعم عسكري أو لوجستي أو حتى إنساني مباشر لطهران، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهة.
في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي، قال وزير الخارجية الصيني وانج يي، إنه يدين الهجمات التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معتبراً أنه “غير مقبول للولايات المتحدة وإسرائيل شن هجمات ضد إيران .. ناهيك عن الاغتيال الصريح لزعيم دولة ذات سيادة والتحريض على تغيير النظام”.
بدورها، وصفت وزارة الخارجية الروسية الهجمات بأنها “أعمال عدوان” تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، محذرة من أنها “تزعزع استقرار المنطقة بأسرها”.
كما جددت موسكو وبكين الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المسار الدبلوماسي، لكن هذه الإدانات لم تتجاوز حدود الخطاب السياسي.
في المقابل، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن العملية القتالية الأمريكية في إيران ستستمر حتى تحقيق جميع أهدافها، وقد تمتد لأسابيع، ما يعمّق التساؤلات حول ما إذا كانت طهران ستُترك وحيدة في مواجهة التصعيد.
إيران بلا حليف حقيقي
يرى جابرييل ويلداو، المدير التنفيذي المتخصص في شؤون الصين لدى شركة “تينيو”، أن بيان الصين كان شديد الإدانة من حيث اللغة، لكنه خالٍ من أي التزام عملي.
وقال إن أولوية القيادة الصينية تظل الحفاظ على حالة الانفراج مع الولايات المتحدة، لا الانخراط في صدام مباشر بسبب إيران.
تأتي هذه المواقف في وقت يُتوقع فيه عقد لقاء بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، بعد أن ناقشا خلال اتصال سابق قضايا عدة من بينها إيران، ما يعكس حرص بكين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، حتى في ظل التوترات الجيوسياسية.
يشير أحمد عبده، الباحث في “تشاتام هاوس”، إلى أن الصين قد تستغل موقفها المتحفظ لانتزاع تنازلات من واشنطن في ملفات أكثر ارتباطاً بمصالحها المباشرة، مثل تايوان والتجارة، مقابل تخفيف لهجتها بشأن إيران.
تعكس منشورات حساب “نيوتانتشين”، المرتبط بوسائل إعلام رسمية صينية، هذا التوجه بوضوح، إذ كتب أن “إيران بلا حليف حقيقي”، وأن حتى أقرب الشركاء سيضعون مصالحهم الوطنية فوق أي التزام تجاه طهران.
هذا النهج ليس جديداً
ففي العام الماضي، انتقدت بكين ضربات أمريكية وإسرائيلية سابقة ضد إيران دون أن تقدم دعماً مادياً.
كما دعمت الصين عقوبات أممية على طهران قبل اتفاق 2015 النووي، وتباطأت لاحقاً في ضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد الإيراني.
كما أن رد فعلها على التدخل الأمريكي في فنزويلا اقتصر على الإدانة اللفظية، دون خطوات عملية.
ويستخلص مراقبون أن “الشراكة الاستراتيجية” مع بكين لا ترقى إلى مستوى تحالف عسكري، ولا توفر ضمانة دعم في حال تعرض الشريك لتهديد وجودي.
على الجانب الروسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فإيران شريك استراتيجي لموسكو في الشرق الأوسط، وزودتها بطائرات مسيرة وصواريخ منذ بدء غزو أوكرانيا في 2022.
كما تخشى روسيا خسارة موطئ قدم جديد في المنطقة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
رغم إدانة وزارة الخارجية الروسية للهجمات، لم يصدر عن الكرملين أو الرئيس فلاديمير بوتين موقف علني حاسم.
ويعكس ذلك، بحسب محللين، حسابات دقيقة تتعلق بقدرة موسكو الفعلية على التحرك.
فالحرب المستمرة في أوكرانيا استنزفت الموارد العسكرية الروسية، بينما يرزح الاقتصاد تحت ضغط العقوبات الغربية، ما يقلص قدرة موسكو على إسقاط نفوذها خارج حدودها.
ويرى خبراء أن نفوذ روسيا في الشرق الأوسط مرشح لمزيد من التراجع في ظل هذه القيود.
في المقابل، تتابع موسكو تطورات أسعار النفط باهتمام بالغ، فقد ارتفعت الأسعار بأكثر من 8% مع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات بسبب الصراع في إيران.
وأعلنت دول في تحالف “أوبك+”، بينها روسيا، زيادة الإنتاج بدءاً من أبريل لمواجهة أي نقص محتمل.
مع ذلك، فإن الأسعار المرتفعة تصب في مصلحة موسكو، التي تعتمد على عائدات الطاقة لتمويل عملياتها العسكرية.
وقالت إيلين والد، رئيسة “ترانسفيرسال كونسلتينج”، إن أي ارتفاع في أسعار النفط يمثل مكسباً لبوتين، خصوصاً إذا واجهت الأسواق صعوبات في الحصول على إمدادات من الخليج.
في الوقت نفسه، لم تحقق المحادثات بين روسيا وأوكرانيا تقدماً يُذكر، ما يمنح الكرملين حافزاً إضافياً لتجنب فتح جبهة سياسية أو عسكرية جديدة.
هل ستسقط إيران؟
تعتمد روسيا تقليدياً سياسة “الانتظار والترقب” في الأزمات التي لا تمس مصالحها المباشرة.
عندما اندلعت احتجاجات داخل إيران سابقاً، لم تتدخل لدعم النظام.
واليوم، قد تكتفي بمراقبة ما إذا كان قادراً على الصمود أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
يرى مايكل مكفول، السفير الأمريكي السابق لدى روسيا، أن الضربات الجوية وحدها نادراً ما تؤدي إلى إسقاط أنظمة.
وقال إن التاريخ لا يقدم أمثلة كثيرة على نجاح حملات جوية في تغيير الأنظمة، حتى عندما تترافق بتدخلات برية.
وأكد أن الضربات الحالية تستهدف منظومات عسكرية موجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لا أدوات القمع الداخلي، ما يجعل مسار تغيير النظام غير واضح حتى الآن.
في المحصلة، تكشف الأزمة أن العلاقات بين إيران وكل من روسيا والصين محكومة بحسابات المصالح لا بروابط التحالف الصلب.
وبين الإدانات اللفظية والقيود الاستراتيجية، تبدو طهران أقرب إلى مواجهة عاصفة جيوسياسية بقدراتها الذاتية، أكثر من اعتمادها على دعم حاسم من شركائها الكبار.








