مستوردو الطاقة في آسيا وأوروبا يواجهون العبء الأكبر مع اشتداد موجة ارتفاع الأسعار
من المقرر أن يشعر الاقتصاد العالمي، بالتداعيات الأكثر إلحاحاً وحدة للصراع الدموي وغير المتوقع في الشرق الأوسط عبر ارتفاع تكلفة النفط.
فقد قفزت أسعار النفط، أمس الاثنين، مع حصول الأسواق على أول فرصة لاستيعاب هجمات “الرد بالمثل” التي وقعت خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وجرى تداول برميل خام برنت عند نحو 79 دولاراً (59 جنيهاً إسترلينياً) بحلول منتصف النهار في لندن، بزيادة تقارب 6 دولارات، أو ما يعادل 8.5% خلال جلسة التداول.
كان السعر قد ارتفع بالفعل بشكل ملحوظ هذا العام، من مستوى يزيد قليلاً على 60 دولاراً في يناير، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي السياق ذاته، شهدت أسعار الغاز الطبيعي قفزة قوية، في ظل الأهمية الاستراتيجية للممر المائي بوصفه شرياناً رئيسياً لإمدادات الغاز الطبيعي المسال.
كما أظهرت التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، فإن ارتفاع كلفة الطاقة سرعان ما تنعكس مباشرة على المستهلكين، ولا يلبث أن يمتد تأثيره إلى أسعار معظم السلع والخدمات الأخرى.
من المتوقع أن يتكبد مستوردو الطاقة الصافيون في آسيا وأوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، العبء الأكبر من موجة ارتفاع الأسعار، بحسب ما ذكره صحيفة “الجارديان” البريطانية.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة، بفضل إمدادات النفط الصخري واحتياطياتها البترولية الاستراتيجية، أكثر قدرة نسبياً على تخفيف الصدمة، غير أن استمرار ارتفاع التكاليف لفترة طويلة قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى التريث في خفض أسعار الفائدة الذي يسعى إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة.
يبقى المسار المستقبلي لأسعار الطاقة رهناً بحجم الاضطرابات المحتملة في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم ممرات الإمداد العالمية، إلى جانب مخاطر استهداف منشآت الطاقة في نطاق أوسع من المنطقة.
في هذا الإطار، أعلنت شركة “قطر للطاقة” المملوكة للدولة، يوم الاثنين، تعليق الإنتاج في موقعين، عقب تعرض منشآت قريبة لهجمات.
بدأت ناقلات النفط فعلياً في تفادي المرور عبر مضيق هرمز، الذي يعبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، في ظل تردد شركات التأمين، كما هو متوقع، في توفير التغطية اللازمة.
في السياق نفسه، أفادت تقارير صدرت يوم الاثنين بأن بعض السفن باتت تتحاشى أيضاً المرور عبر قناة السويس مع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، وهو ما ينذر بارتفاع تكاليف الشحن لسلع أخرى إلى جانب النفط الخام.
يقدر اقتصاديون في “جولدمان ساكس” أنه في أسوأ السيناريوهات، والمتمثل في إغلاق مضيق هرمز بالكامل لمدة شهر، قد ترتفع أسعار النفط بما يصل إلى 15 دولاراً إضافياً للبرميل، مع إمكانية الحد جزئياً من هذا الأثر عبر تعزيز الإمدادات من مسارات بديلة.
كان تحالف المنتجين “أوبك+” قد لمح بالفعل إلى زيادة محدودة في حصص الإنتاج.
تأتي هذه الطفرة الجديدة في أسعار النفط في لحظة بالغة الحساسية لصناع القرار، بعدما اعتقد كثيرون أنهم نجحوا أخيراً في السيطرة على موجة التضخم الحاد التي أعقبت إعادة تشغيل سلاسل الإمداد بعد جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية.
عادة ما يتعامل صُناع السياسة النقدية مع الصدمات المؤقتة في جانب العرض، مثل الارتفاع العابر في أسعار النفط، بتجاهل آثارها قصيرة الأجل، غير أن بعضهم، ومن بينهم بنك إنجلترا في المملكة المتحدة، لا يزالون يشعرون بقلق حيال استمرار توقعات التضخم عند مستويات مرتفعة.
ناقلات النفط تتجنب مضيق هرمز مع تردد شركات التأمين في تغطية المخاطر المتصاعدة
انخفضت توقعات خفض أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل للبنك المقرر في 19 مارس إلى 69% صباح أمس إغلاقالاثنين، مقارنة بنحو 80% في الأسبوع السابق، في ظل تنامي احتمالات موجة صعود جديدة في الأسعار.
وبعيداً عن التداعيات المباشرة لارتفاع تكلفة النفط، قد تواجه اقتصادات في الشرق الأوسط، ومنها دبي على سبيل المثال، التي بنت سمعتها كوجهات جاذبة للسياحة والأعمال العالمية، تحديات في الحفاظ على تلك الصورة، مع انتشار مشاهد الهجمات الإيرانية عبر وسائل الإعلام العالمية.
وعند تقدير الخسائر المحتملة صباح الاثنين، شدد اقتصاديون على أن المسألة المحورية بالنسبة للاقتصاد العالمي تتمثل في ما إذا كانت أسعار النفط ستواصل الارتفاع، وإلى متى يمكن أن يستمر ذلك.
قال نيل شيرينج، كبير الاقتصاديين لدى شركة الاستشارات “كابيتال إيكونوميكس”، إن “مدة الصدمة لا تقل أهمية عن حجمها. فإذا عادت الأسعار إلى التراجع خلال الأشهر المقبلة، سواء نتيجة تهدئة التوترات أو زيادة المنتجين للإمدادات لتعويض أي نقص، فمن المرجح أن يكون تأثيرها على التضخم في الأسواق المتقدمة محدوداً وقصير الأجل”.
أما في حال صعود أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل واستقرارها عند تلك المستويات، فقد يرتفع التضخم في الأسواق المتقدمة بما يصل إلى 0.8% فوق التوقعات، ما قد يضع البنوك المركزية أمام خيار استئناف دورة رفع أسعار الفائدة، في وقت يواجه فيه المستهلكون ضغوطاً إضافية تكبح وتيرة النمو الاقتصادي.
لا شك أن هذا السيناريو لا ينسجم مع ما يتطلع إليه ترامب، غير أن قلة فقط قد تراهن على أن هذا الصراع المتقلب سيجد طريقه إلى تسوية سريعة ومنظمة.







