تفوق بكين في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية يوسع فجوة التنافس مع واشنطن في عصر ما بعد النفط
دخلت كلمة “النهب” إلى اللغة الإنجليزية من الهندية في أواخر القرن الثامن عشر، حينما اجتاحت شركة الهند الشرقية الجشعة أراضي شبه القارة الهندية ونهبت مواردها على نطاق واسع.
كانت تلك الشركة كياناً تجارياً لا دولة، لكنها تمتعت بمباركة التاج البريطاني وامتلكت جيشاً خاصاً ضخماً، ما أتاح لها الجمع بين التجارة والقوة العسكرية وفتح الطريق أمام الهيمنة الإمبراطورية البريطانية على الهند.
مداهمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الليلية، لفنزويلا الأسبوع الماضي، جاءت بوصفها فعلاً صادراً عن حكومة لا عن شركة، لكنها أعادت إلى الذاكرة عصراً أكثر وقاحة، حين كان نهب القارات من مواردها تحت تهديد السلاح يُعد سلوكاً مشروعاً لرجل إنجليزي نبيل.
لم يحاول الرئيس إخفاء أن الدافع الرئيسي وراء اختطاف نيكولاس مادورو، كان وضع اليد على احتياطيات النفط الفنزويلية لصالح شركات الوقود الأحفوري التي ساعدت في تمويل إعادة انتخاب ترامب.
كما أشار إلى عدم شرعية مادورو، بعدما خسر الرئيس المُطاح به، الانتخابات الرئاسية في فنزويلا عام 2024 على نطاق واسع.
غير أن تسليم السلطة لنائب مادورو، من دون جدول زمني لانتقال ديمقراطي يجعل أي ادعاء بتنفيذ تطلعات الشعب الفنزويلي ، بلا مضمون، بحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية.
كان ترامب قد استخدم بالفعل القوة الاقتصادية بقدر كبير من الفظاظة في مفاوضات التجارة خلال الأشهر الاثني عشرة الأولى من ولايته الثانية، مستنداً إلى التهديد بالرسوم الجمركية للضغط على الخصوم والحلفاء المفترضين على حد سواء، بما في ذلك المملكة المتحدة.
وأوضحت أحداث نهاية الأسبوع الماضي، أنه مستعد أيضاً للاستيلاء على الموارد باستخدام القوة العسكرية، فيما يبدو أنه نية لإتاحة تلك الموارد لحلفائه من الشركات المقربة “الأوليغارشية كما يوصفون في السياق الروسي” لاستغلالها.
يشكل ذلك سابقة شديدة الخطورة، سواء من حيث ما قد يشعر ترامب نفسه بأنه بات قادراً على الإقدام عليه مع وجود سلسلة أهداف أخرى في مرماه، أو من حيث ما قد تجرؤ عليه قوى منافسة أقل اكتراثاً بالقانون الدولي في سعيها إلى الهيمنة الاقتصادية.
كما أن أذواق ترامب الموسيقية ما زالت عالقة في أيام شبابه، إذ يواصل الميل إلى أنغام الماضي، وهو ما ينعكس أيضاً على تصوره للعوامل التي تصنع النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة، والذي يبدو متقادماً إلى حد بعيد.
سوق النفط العالمية تعاني وفرة واضحة في المعروض، كما أن الولايات المتحدة أصبحت منذ طفرة النفط الصخري مُصدراً صافياً كبيراً.. الأمر الذي يعزل اقتصادها نسبياً عن ارتفاعات أسعار الطاقة العالمية التي ضربت أوروبا بقوة عقب الحرب الروسية واسعة النطاق ضد أوكرانيا.
مع ذلك، لا تزال هناك شكوك حول جدوى النفط الصخري صعب الاستخراج في ظل سعر النفط الحالي المنخفض نسبياً الذي يقل عن 60 دولاراً (44 جنيهاً إسترلينياً) للبرميل وفق معيار غرب تكساس الوسيط، رغم أن ترامب يبدو راغباً في دفع الأسعار إلى مستويات أدنى.
ولا يُتوقع أن يحقق ذلك نجاحاً سريعاً، إذ إن النفط الفنزويلي ثقيل، ما يجعله مكلفاً في الإنتاج والتكرير، كما يرى محللون أن زيادة الإنتاج بشكل ملموس ستتطلب سنوات طويلة واستثمارات بمليارات الدولارات.
وكما قال معهد التمويل الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي: “رغم وجود إمكانات صعود متوسطة إلى طويلة الأجل لإمدادات فنزويلا، فإن ميزان المخاطر يشير إلى تعافٍ تدريجي ومشروط بدلاً من تطبيع سريع، مع احتمال حدوث انتكاسات جديدة إذا تصاعدت الاحتكاكات السياسية أو السياساتية”.
بدلاً من النفط، تتركز اختناقات الموارد التي تُقلق شركات اليوم بشكل أكبر في المواد الخام اللازمة للكهربنة الواسعة لقطاع الطاقة مع انتقال العالم نحو صافي الصفر “وهو ما يرفضه ترامب بطبيعة الحال”، مثل النحاس والألومنيوم والليثيوم، إضافة إلى السلع الغذائية الأساسية مثل الكاكاو والقهوة التي دفعتها موجات الاحترار العالمي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار.
وبالمثل، بينما كان ترامب يراهن على أن تقود سياساته التجارية الصدامية إلى موجة من إعادة توطين الإنتاج تعيد الهيمنة في قطاعات مثل صناعة السيارات والصلب، واصل التوظيف في قطاع التصنيع مساره التراجعي، إذ خسر أكثر من 200 ألف وظيفة خلال عامين.
كما أن تقليص المنح الحكومية المخصّصة للأبحاث العلمية، إلى جانب الهجوم على الجامعات الكبرى بدوافع حروب ثقافية، لا يبدو مرشحاً لأن يدعم الابتكار الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مفتاح التفوق الاقتصادي.
في المقابل، تدفع الرسوم الجمركية الأمريكية الدول المنافسة المتضررة بشدة إلى التقارب فيما بينها، بعدما منح الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي موافقة مبدئية على اتفاق التجارة الذي طال التفاوض بشأنه مع تكتل “ميركوسور” في أمريكا الجنوبية، الذي يضم البرازيل والأرجنتين.
في الوقت الذي يتخيل فيه ترامب عودة الصناعات الثقيلة القائمة على طرق المعادن التقليدية، تواصل الصين، الخصم الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، دفع حدود الابتكار في مجالات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية منخفضة الكلفة، في مقدمة التحول العالمي بعيداً عن الوقود الأحفوري.
وخلال الفترة من يناير إلى مايو من العام الماضي وحدها، أضافت الصين من طاقات الرياح والطاقة الشمسية ما يكفي لتوفير الكهرباء لدولة بحجم تركيا أو إندونيسيا.
تفيد التقارير بأن شركة الذكاء الاصطناعي الصينية “ديب سيك” تتحضر لإطلاق الإصدار الجديد من نموذجها اللغوي الكبير خلال الشهر المقبل، وهي خطوة قد تثير قلقاً واسعاً في وادي السيليكون إذا ظهر، كما في نسخته السابقة، أنه يتفوق على البدائل المنافسة بتكلفة أقل بكثير.
أما محاولة ترامب للاستحواذ على موارد فنزويلا، فهي تمثل استعراضاً صارخاً للقوة العسكرية، وقد لا تكون سوى بداية لسلسلة تحركات أخرى قد تحمل في طياتها مخاطر أكبر.
لكن عبر إطلاق الفوضى في الخارج وتقويض سيادة القانون في الداخل، يبدو أنه يسير في اتجاه يضعف القوة الاقتصادية للولايات المتحدة على الأرجح، بدلاً من أن يعززها.







