فى أزمة الدين العام وإعادة هيكلته أو خفضه من جانب الحكومة.. تبرز أحد أهم المشكلات التى تعوق هذا الاتجاه وهو ما تعانيه المالية العامة للدولة من تحديات متزايدة فى ظل ارتفاع الدين العام وتزايد أعباء خدمته واتساع فجوة العجز فى الموازنة.
على الرغم من تبنى الحكومة عددًا من برامج الإصلاح المالى والنقدى.. إلا أن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا ويتمثل فى اختلال نسبة إدارة المال العام.. ومن هنا تبرز وحدة الموازنة كأحد أهم الإصلاحات الهيكلية القادرة على إعادة الانضباط المالى وتحسين كفاءة إدارة الموارد ودعم جهود إعادة هيكلة الديون.
غير أن وحدة الموازنة تواجه تحديات جوهرية على رأسها اتساع نفوذ الهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة التى تعمل خارج الرقابة الفعلية للموازنة العامة، ورغم وجود تنظيم دستورى وتشريعى للمالية العامة فإن الانشاءات الواسعة الممنوحة لكيانات بعينها أفرغت مبدأ وحدة الموازنة من مضمونه.
اقرأ أيضا: حسين عبدربه يكتب: رسالة لبعثة صندوق النقد.. “المواطن يريد تنمية لا نموًا فقط”
ووفق تقديرات رسمية وشبه رسمية يوجد فى مصر أكثر من 6 آلاف و700 صندوق خاص تابع لجهات حكومية وهذه الصناديق تعمل خارج إطار الموازنة العامة وتحتفظ هذه الصناديق بأموال عامة لا يقل حجمها عن 9.9 مليار دولار غير مدرجة بالكامل فى الحسابات الختامية للدولة.. وقد أكد صندوق النقد فى مراجعته الرابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادى لمصر أن غياب صورة مالية موحدة للدولة يحد من القدرة على الاستدامة المالية، مشيرًا صراحة إلى صعوبة حصر التزامات الكيانات خارج الموازنة بما فى ذلك الصناديق الخاصة والهيئات الاقتصادية.
ولا نستطيع أن نغفل جهودًا حكومية ممثلة فى وزارة المالية سعت كثيرًا عبر سنوات طويلة لمحاولة إخضاع الصناديق الخاصة للموازنة العامة ولكن الأمر يحتاج قرارًا سياسيًا ودعمًا برلمانيا.. وها هى وزارة المالية تسعى لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية من خلال لجنة تعمل فى هذا الشأن بهدف إصلاح هذه الهيئات وضم موازناتها للمالية العامة.
ومن غير المعقول أن تظل هذه الكيانات خارج موازنة الدولة وكأننا نساعد على خلق اقتصاد عام موازٍ داخل اقتصاد الدولة.. فهذه الكيانات من صناديق خاصة وهيئات اقتصادية لا تدخل إيراداتها بالكامل فى الموازنة العامة ولا تخضع لرقابة محكمة هذا الوضع خلق ما يمكن وصفه بميليشيات مالية داخل الدولة.. فالصورة العامة للمالية العامة أنها تعانى من عجز مستمر بينما توجد فوائض كبيرة لهذه الكيانات خارج الموازنة.. بل إن غياب الرقابة على هذه الكيانات يؤدى لتزايد الفساد وسوء استخدام الموارد بل الأخطر أن وجود إنفاق لهذه الكيانات خارج الموازنة يفقد الدولة السيطرة على الطلب الكلى والتضخم..
اقرأ أيضا: حسين عبدربه يكتب: كيف عالجت «فيلدا» الفقر الريفي في ماليزيا
فنحن أمام اقتصاد رسمى يعانى من العجز وآخر خفى يمتلك الموارد دون مساءلة.. ولا شك أن استمرار تعدد الموازنات داخل الدولة ينذر بعدة مخاطر استراتيجية منها تفاقم أزمة الديون دون حلول جذرية وتعميق عدم العدالة الاجتماعية.. والأخطر من ذلك أن الدولة تفقد قدرتها على توجيه الاقتصاد وتتحول إلى مجرد جهة تمويل أخيرة لكيانات لا تسيطر عليها بالكامل ومثلما قلنا سابقًا إن الحكومة اتخذت بعض الخطوات مثل فرض نسب تحويل محدودة من فوائض هذه الصناديق للخزانة العامة.. إلا أن ذلك لم يرق إلى إصلاح هيكلى شامل.. فدعونا نتخيل أنه لو تم دمج من 30 إلى %40 من فوائض الصناديق الخاصة للموازنة العامة ستتم إضافة موارد إضافية للموازنة العامة من 150 إلى 250 مليار جنيه سنويًا ما يخفض العجز الكلى بنحو %1.5 من الناتج المحلى ما يتيح موارد للإنفاق العام والاجتماعى وتقليل الاقتراض وتحسين مصداقية تحقيق الفائض الأولى..
وفى السياق فإنه لا يمكن الحديث عن إعادة هيكلة حقيقية للديون دون توحيد الموارد والنفقات، فالدائنون والمؤسسات الدولية لا ينظرون فقط إلى حجم الدين بل إلى قدرة الدولة على إدارة ماليتها بكفاءة وشفافية.. فوحدة الموازنة تسهم فى تحسين التصنيف الائتمانى وتقليل المخاطر السيادية وخفض تكلفة الاقتراض ودعم الاستدامة المالية كما أنها تمنح صانع القرار رؤية شاملة تمكنه من اتخاذ قرارات أكثر رشادة وتخطيط سليم للاقتصاد.
اقرأ أيضا: حسين عبدربه يكتب: «الرقيب المحترف»
وتحقيق وحدة الموازنة لا يعنى إلغاء الهيئات الاقتصادية أو الصناديق دفعة واحدة بل يتطلب مسارًا تدريجيًا يشمل دمج الصناديق ذات الطابع الخدمى فى الموازنة العاملة وإخضاع الهيئات الاقتصادية لرقابة مالية وتشريعية صارمة وتوحيد المعايير المحاسبية والإفصاح المالى.. وربط أى استقلال مالى بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس.
وقد يكون ذلك من أولى مهام البرلمان الجديد، فالأمر لا يقف عند صدور قرار وزارى أو كتاب دورى لضم الصناديق الخاصة الأمر يتطلب خطة أو استراتيجية على غرار استراتيجية هيكلة الهيئات الاقتصادية وإن كانت أمورها تسير ببطء وهو ما لا يتناسب مع الأوضاع والمشكلات الاقتصادية التى نعانى منها.. فى حين لدينا حلول لكثير من أزماتنا وموارد يمكن أن تحد من المعاناة.
إن أزمة الموازنة فى مصر ليست أزمة أرقام بل أزمة بنية وحوكمة ولا يمكن معالجة اختلالات الدين العام أو تحقيق استدامة مالية حقيقية دون استعادة وحدة الموازنة بوصفها تعبر عن وحدة القرار الاقتصادى للدولة.








