«الدين مقابل المناخ» و«الدين مقابل التنمية» نماذج قابلة للتوسع دوليًا
أشاد منتدى الاقتصاد العالمي بتجربة مصر في إدارة ديونها العامة، معتبرًا أنها تمثل نموذجًا يُحتذى به للدول النامية المثقلة بالديون، في وقت تشهد فيه الديون السيادية العالمية ضغوطًا غير مسبوقة.
وأوضح المنتدى في تقرير حديث أن إجمالي الديون العامة والخاصة عالميًا تجاوز 346 تريليون دولار في 2025، مقابل 102 تريليون دولار في 2024، بنمو حاد يعكس تفاقم أزمة التمويل.
وأشار إلى أن الدول النامية تتحمل نصيبًا متزايدًا من هذه الأعباء، مع ارتفاع الدين العام لديها بمعدل يقارب ضعف الاقتصادات المتقدمة منذ 2010.
في السياق المحلي، ارتفع إجمالي الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليصل إلى نحو 163.71 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 161.23 مليار دولار بنهاية يونيو من نفس العام.
أما الدين المحلي المصري فقد ارتفع بنسبة 3.5% ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، مقارنة بـ10.685 تريليون جنيه في الربع الأول من العام ذاته.
وأوضح المنتدى أن إجمالي الديون العالمية، العامة والخاصة، ما زال يتجاوز 235% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فيما يشكل الدين العام وحده نحو 93% من الناتج المحلي الإجمالي.
سندات الساموراي نموذج لخفض كلفة الاقتراض بضمانات دولية
ورصد المنتدى نجاح مصر في خفض دين ميزانيتها العامة، الذي يشمل الدين المحلي والخارجي، من نحو 96% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2023 إلى حوالي 85.6% بحلول يونيو 2025، معتمدًا على نهج مبتكر لإدارة الدين رغم استمرار الضغوط على الميزانية العامة.
وأشار التقرير إلى أن خدمة الدين شكلت نحو 49% من إجمالي الصادرات، أي ما يقرب من نصف عائدات التصدير، ما يفرض قيودًا على السيولة المالية وقدرة الدولة على تمويل المشروعات التنموية.
أدوات مصرية مبتكرة لإدارة الدين وربطه بالتنمية
قدّم المنتدى أربع ركائز رئيسية يمكن لمصر من خلالها تحسين إدارة ديونها وربطها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية:
أولاً: إعادة تشكيل هيكل الدين
وتشمل تحويل الديون الحالية إلى أدوات أقل خطورة من خلال تعديل العملة أو مخاطر الفائدة أو آجال الاستحقاق، لتخفيف الضغوط المالية على الدولة.
وأوضح المنتدى أن مصر سبق لها الانخراط في ترتيبات مبادلة الدين مع الإمارات ضمن صفقة “رأس الحكمة”، ومبادلات ديون مع ألمانيا وإيطاليا، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم مع الصين للتعاون في مبادلات الدين المستقبلية، موضحًا أن هذه التجارب توفر قاعدة لتوسيع نطاق مبادلات الدين وتقليل المخاطر المالية مع الحفاظ على قيمة الدائنين.
وأكد المنتدى أن مبادلات الدين تختلف عن تحويل الدين التقليدي، إذ يتم بموجبها استبدال جزء من الدين القائم بالتزام جديد بشروط مختلفة، تشمل آجال استحقاق أطول أو فوائد أقل أو تمويل مشروعات محددة، وهو ما يعزز الاستدامة المالية ويخفض الأعباء.
كما أشاد بنجاح برامج “الدين مقابل المناخ” و”الدين مقابل التنمية” التي تربط سداد الدين بنتائج اجتماعية وبيئية ملموسة، واعتبرها برامج واعدة وقابلة للتوسع بمساندة مالية دولية.
ثانيًا: إدارة مبتكرة لمخاطر السيادة
أوضح المنتدى أن مصر تعتمد على منصات تمويل مختلطة للتحوط ضد مخاطر العملات والفائدة، مع توفير ضمانات لجذب التمويل الخاص، مشيرًا إلى تجارب الفلبين وإندونيسيا بالتعاون مع بنك التنمية الآسيوي، والبرازيل عبر منصة “إيكو إنفستمنت برازيل”، التي أثبتت جدواها في تمكين الدول من الاستثمار في البنية التحتية ومشروعات المناخ مع حماية الديون من مخاطر تقلبات العملة والفائدة.
كما أشار إلى أدوات مبتكرة مثل القروض أو السندات التركيبية بالعملة المحلية، التي تسمح بالسداد بالعملة المحلية بينما يحصل المستثمرون على عوائد بالعملة الصعبة، ما يقلل مخاطر العملة ويزيد جاذبية التمويل الخاص.
ثالثًا: السندات المستدامة
سلط المنتدى الضوء على تجربة مصر في إصدار السندات الخضراء ضمن إطار التمويل المستدام، والتي تربط الدين بمشروعات ذات أهداف اجتماعية وبيئية قابلة للقياس، مع إمكانية تعديل معدلات الفائدة وفق تحقيق أهداف محددة، ما يقلل تكلفة الدين ويحفز الحكومات على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
رابعًا: تعزيزات الائتمان
أكد المنتدى أن أدوات مثل الضمانات الجزئية وصناديق الخسارة الأولى تساعد في تقليل المخاطر على المستثمرين والمقرضين، مما يتيح توسيع نطاق التمويل الخاص واستقرار هيكل الدين. واستشهد بعملية إصدار سندات الساموراي في اليابان، حيث وفر البنك الأفريقي للتنمية ضمانًا جزئيًا، ما خفض مخاطر المستثمرين وفتح السوق اليابانية بشروط أفضل.
وأشار التقرير إلى أن مصر، إلى جانب سيشيل وبيليز وباربادوس، تُعد من الدول الرائدة في مبادلات الدين، وتقدم الآن إطارًا أوسع يربط الدين السيادي مباشرة بأهداف التنمية المستدامة.
346 تريليون دولار ديونًا عالمية في 2025
وأكد المنتدى أن نجاح مصر في تحويل دينها الوطني إلى أداة للنمو الاقتصادي والتنمية الطويلة الأجل يمثل نموذجًا عمليًا يمكن للدول الأخرى الاستفادة منه لتخفيف عبء الديون وتحويلها إلى أدوات للتنمية.
ولفت إلى أن هذا النموذج يقدم درسًا مهمًا حول كيفية الجمع بين الاستدامة المالية والتأثير الاجتماعي والبيئي الملموس، مؤكدًا الدور الحاسم للابتكار المالي في مواجهة تحديات الدين العالمي المتزايد.






