لم تكن مشاركة مصر في المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» مشاركةً بروتوكوليةً عابرة، بل جاءت في توقيت دقيق داخلياً وإقليمياً ودولياً، وفي لحظة يُعاد فيها رسم خريطة الاقتصاد العالمي وتوازنات الاستثمار، وسط اضطرابات جيوسياسية وتباطؤ اقتصادي عالمي وارتفاع تكلفة التمويل.
إن حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، يرافقه وفدٌ رفيع المستوى ذو طابع سياسي–اقتصادي–أمني متكامل، ضم وزراء: التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي الدكتورة رانيا المشاط، والاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب، والمالية أحمد كجوك، ووزير الخارجية، بجانب اللواء حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات العامة؛ حمل رسالة واضحة: “مصر جاءت إلى دافوس لتتحدث بلغة واحدة عن الاقتصاد والاستثمار والأمن والاستقرار الإقليمي”.
أولاً: دلالات تشكيل الوفد المرافق للرئيس
اختيار هذا التشكيل لم يكن عشوائياً، بل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة اللحظة الدولية؛ فوجود وزير الخارجية يؤكد أن الملفات السياسية والإقليمية — وعلى رأسها غزة وسد النهضة — جزء لا يتجزأ من النقاش الاقتصادي العالمي.
ومشاركة رئيس جهاز المخابرات العامة تبعث برسالة مباشرة مفادها أن مصر تدير ملفات الأمن الإقليمي بجدية ومسؤولية، وأنها لاعب رئيسي في إدارة الأزمات، لا مجرد متأثر بها.
كانت الرسالة الضمنية للمستثمرين وصناع القرار واضحة: مصر لا تفصل بين الأمن والاستثمار، ولا بين السياسة والاقتصاد؛ فالاستقرار الذي تبحث عنه رؤوس الأموال لا يتحقق بالسياسات المالية وحدها، بل بإدارة واعية للتوازنات الإقليمية.
ثانياً: رسائل الرئيس السيسي في دافوس
في كلمته أمام قادة السياسة والاقتصاد العالميين، حرص الرئيس السيسي على ربط الاقتصاد بالسياسة ربطاً مباشراً، مؤكداً أن الاستثمار لا يمكن أن يزدهر في بيئة يسودها الصراع وغياب اليقين.
ويمكن تلخيص أبرز النقاط التي أكد عليها الرئيس في الآتي:
- التوترات الجيوسياسية وتقويض قواعد النظام الدولي أصبحت من أهم معوقات النمو والاستثمار عالمياً.
- احترام القانون الدولي وتسوية النزاعات سلمياً لم يعد قضية أخلاقية فقط، بل شرطاً اقتصادياً أساسياً.
- القضية الفلسطينية تمثل جوهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب في غزة يهدد أمن المنطقة بأكملها.
- استعداد مصر للاضطلاع بدور محوري في دعم جهود وقف إطلاق النار ومنع اتساع دائرة الصراع.
- التأكيد على أن الإصلاحات الاقتصادية في مصر تستهدف بناء اقتصاد إنتاجي يقوده القطاع الخاص.
وبهذا الخطاب، وضعت مصر نفسها في موقع الدولة التي تقدم رؤية شاملة للاستقرار والنمو.
ثالثاً: لقاء السيسي – ترامب.. السياسة في خدمة الاقتصاد
جاء اللقاء بين الرئيس السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش المنتدى ليعزز هذه الرسائل؛ حيث شملت المناقشات تطورات الأوضاع في غزة، والدور المصري في دعم التهدئة والمسار السياسي، وملف سد النهضة، مع إشارات إلى دور أمريكي محتمل في إعادة تنشيط المفاوضات، بجانب قضايا الأمن الإقليمي وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
اقتصادياً، يمثل هذا اللقاء عامل طمأنة للأسواق والمستثمرين، إذ يؤكد أن مصر تتعامل مع مصادر المخاطر الجيوسياسية من موقع الفاعل لا المتلقي.
رابعاً: التحرك الاقتصادي الموازي
بالتوازي مع التحرك السياسي، كان للوزراء الاقتصاديين دور واضح؛ فالدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي قدمت سردية جديدة للإصلاح تركز على النمو المستدام والتمويل التنموي والشراكة مع القطاع الخاص.
وقاد حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، لقاءات مباشرة مع مستثمرين دوليين في قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة.
أما أحمد كجوك، وزير المالية، فقد ركز على استقرار السياسات المالية وتوسيع قاعدة الشراكة مع القطاع الخاص. فهذا التناغم بين الأمن والسياسة والاقتصاد هو جوهر الرسالة المصرية في دافوس.
خامساً: لماذا يهتم مؤتمر دافوس بالاقتصاد المصري؟
تنعكس مشاركة مصر في دافوس عبر أربعة مسارات رئيسية:
- خفض تصور المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري.
- تسريع التفاهمات الاستثمارية التي قد تتحول إلى صفقات فعلية.
- إعادة تقديم الاقتصاد المصري كـ”اقتصاد فرص” لا أزمات.
- جذب شركاء دوليين للتمويل والتنمية وليس فقط مستثمرين تقليديين.
خلاصة القول، إن مشاركة مصر في دافوس — بتشكيلها السياسي والاقتصادي والأمني المتكامل — لم تكن مجرد حضور في مؤتمر عالمي، بل رسالة استراتيجية محسوبة.
كانت الرسالة واضحة: “لا استثمار بلا استقرار، ولا استقرار بلا إدارة سياسية وأمنية رشيدة”. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر، تبدو الدول القادرة على الجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن هي الأكثر قدرة على جذب الاستثمار وبناء مستقبل مستدام.








